واجهة مدونة الاحسان

الاسماء الحسنى:
***بسم الله الرحمن الرحيم***وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ۚ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) ***سورة الاعراف*** الله *** الرحمن*** الرحيم *** الملك*** القدوس*** السلام *** المؤمن*** المهيمن *** العزيز*** الجبار *** المتكبر*** الخالق**** البارئ*** المصور *** الغفار *** القهار*** الوهاب *** الرزاق *** الفتاح *** العليم *** القابض *** الباسط *** الخافض*** الرافع *** المعز*** المذل *** السميع*** البصير*** الحكم *** العدل*** اللطيف *** الخبير*** الحليم *** العظيم *** الغفور*** الشكور *** العلى*** الكبير*** الحفيظ*** المقيت*** الحسيب*** الجليل*** الكريم *** الرقيب*** المجيب *** الواسع *** الحكيم*** الودود*** المجيد*** الباعث *** الشهيد *** الحق*** الوكيل*** القوى*** المتين *** الولي*** الحميد*** المحصى *** المبدئ *** المعيد*** المحيي*** المميت*** الحي*** القيوم*** الواجد *** الماجد*** الواحد*** الصمد*** القادر*** المقتدر*** المقدم*** المؤخر*** الأول*** الأخر *** الظاهر*** الباطن*** الوالي*** المتعالي*** البر*** التواب*** المنتقم*** الغفور *** الرؤوف *** مالك الملك ذو الجلال و الإكرام *** المقسط *** الجامع *** الغنى*** المغنى *** المانع*** الضار*** النافع*** النور *** الهادي *** البديع *** الباقي*** الوارث *** الرشيد*** الصبور*** الاسماء السبعة*** لاإله الاالله*** الله***هو***الحق*** الحي***القيوم***القهار***
أذكار الطريقة الرحمانية/خنقة سيدي ناجي/ ولايةبسكرة/الجزائر:
زاوية الشيخ سيدي عبد الحفيظ بن محمد بن أحمد الخنقي رضي الله عنه *** خنقة سيدي ناجي ولاية بسكرة الجزائر/ بسم الله الرحمن الرحيم ...المعقبات بعد الصلوات الخمس ...الطريقة الرحمانية...استغفر الله العظيم الذي لااله الا هو الحي القيوم وأتوب اليه ونسأله التوبةوالمغفرة...اللهم صل وسلم على سيدنا محمدوعلى آله وصحبه وسلم عليه(03 مرات)ثم تقرأ آية الكرسي ... ثم تذكر سبحان الله ( 33 مرة)والحمد لله( 33 مرة ) والله أكبر (33 مرة)...لااله الا الله وحده لاشريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيئ قدير وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ...اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد وسلم(10 مرات )ثم تختم بقراءة الفاتحة ....الميثاق -الورد -بعد صلاة الصبح والعصر...أعوذ بالله من الشيطان الرجيم..... بسم الله الرحمن الرحيم...الصلاةوالسلام عليك يانبي الله...الصلاةوالسلام عليك يارسول الله...الصلاة والسلام عليك ياخير خلق الله...فأعلم أنه لااله الا الله ...ثم تذكر...لااله الاالله(300مرة)...الله(66 مرة) بعد صلاة الصبح والعصر ثم تقرأ دعاء...ثبتنا يارب بقولها وانفعنا يارب بفضلها ...واجعلنا من اخيار اهلها، ...يامن لا مثل له في الذات والصفاة...اغفر لنا ما مضي واصلح لنا ما ياتي،...بجاه محمد صاحب الشفاعة ...يامن له هذا الملك وله الملك الباقي ،...لاتجعل فينا محروما يارب ولا شقي...بجاه محمد السابق اللاحق ...مولانا مولانا يا سامع دعانا ...بجاه محمد لاتـقطـع رجـا نــــــا...رب أحينا سعداءوأمتنا شهداء ،...ولا تخالف بنا عن طريقة الهدى...آمين آمين آمين يارب العالمين(03 مرات)......ثم تقرأ دعاء غنية الفقير للشيخ سيدي عبد الحفيظ بن محمد بن أحمد الخنقي رضي الله عنه ...الصلاةوالسلام عليك يانبي الله...الصلاة والسلام عليك يارسول الله...الصلاة والسلام عليك ياخير خلق الله... ثم الصلاة الكاملة...اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه صـلاة أهل السموات والارضين عليه اجري يارب لطفك الخفي في أمورنا والمسلمين ( 03 مرات ) ثم تختم بقراءة الفاتحة... دعاء غنية الفقير للشيخ سيدي عبد الحفيظ بن محمد بن أحمد الخنقي رضي الله عنه :
دعاء غنية الفقير للشيخ سيدي عبد الحـفـيـظ بن محمـد بن احمـــد الخنقي رضـي الله عـنـه ***** بإسمك يا الله رب ابتديـــت *** عـلى النبي محـمـد صلـيــــت*** ثم السـلام مستمرا دائمـــــــــا *** على الحبيب المصطفى مـعظــــمــــا*** الله يارحــــمان يــــــا رؤوف *** ألطـف بعبدك المسئ الـضعـيـف*** وجد عليه ثـــــم تب تكرمــا *** وأرحمه إنــــــك رحـــــيم الرحـمــــا*** يــاربنا ياسامــــــع الأصـوات *** أسبل علينا الستـر فيمـــا يـأتـي*** وأحجب علينا صولة الظـلام *** وأكفنا شر الحــــــــاسد المـــثـــــام*** وأجعل مكائدهم في نحورهـم *** وأكفنا يامولانا مــن شـــــرورهـم*** وأدخلنا فـــي حصنك المنـيع *** وأكـنـفـنا بكـنـفـك المــــــريـــــــــع*** اللـه يا اللـه يـا مـــجـيـــــب *** أجب دعاء المظطر يـــــا قـريـــب*** وأحـفـظ صدورنـا من الخـنـاس*** و ولــــــــي أمرنا على الأنفــاس*** ولا تكلنا قــط لأ نفوســــنـــــا *** طرفــــــــــة عين أو أقل مــولانــا*** لأننا نحن عبيد ضعـــــفـــــــاء *** وأنت ارحــم الـــــراحمين رؤوفـــــا*** ياربنا يـا واسـع الغـفــــــــــران *** أنت الـــــــــكريم مالك الإحسـان*** أعل بنا على أمــــــرالمعـــا نــــد *** مــــــــــن هو لإخواننــا ذوحســد*** ولا تولي أمــــــــــــره عليـــنــــا *** بـــــــــل رده عليه لا إليــــــــــنــــا*** ياحي يا قيوم يا جبــــــــــــار *** أقهــــــــر أعداء نـا أيـا قــــهــــــار*** وأجعل عنادهم عليهم حـــسرة *** وزد نـــــا به في الإيــمان قــــــــوة*** وول أمــرهم عليهم ندمـــــــــا *** حـتى يكـــــــاد يـبرز لهم عـــــمـــا*** وأسجن شيطــــانهم ولا تــولــه *** على الإخوان وأكفنا من غـلـه*** وأقهر علينا كــل جبار عـــنيد *** مهمـــــا أراد نـــــــا بـشــــر قـيــــد*** ثقف لسانـــــه عند المقـــــال *** وكــــف يــــــده عند التعــــــــا لي*** يــا بر يــــا رحـيم يـــا وهـــاب *** هب لعـبيدك دعـــــــاء يـجـــــاب*** وهب لــــنا علما وحكمة مـــــعـــا *** يكن لـنا في الحال معا مـســرعـــــا*** ولا تحجب علينا سـر الحـكـــــم *** وأجعـله صـحـــوا لأبصـــارنــا يــم*** وأفجي سحاب مشـكـلات بصــري*** حتى نشاهد شمــــوس حـاضـــري*** وأعـطنـــــــا مــــن فضلك العميم *** وأسقنا من سرك الـــــــــعـظـــــيم*** الله يــــــا فـــــتاح يــــــــا رزاق *** أرزق عبيدك رزقـا يســـــــاق*** وأفتح لــــه في الرزق ما يشـــــاء *** رزق الأشـباح عـنده ســـــــــواء*** مدارنا عـــــــــلى رزق الأرواح *** به الـتـنـعـم والعــيـش الصــــــاحـــي*** يا فوز مـــــــــن عاش به تمتعــــا *** دام سروره في الــــداريـــن مـــعـــــا*** يارب بالمختــــــــــار سيد البشر *** أدم حضورنا معك يـــــاقـــــديـــر*** وألزم وقوفنا ببــــــــــابك العــلي *** ولا تخـيب الرجــــــاء يا أزلــــــــي*** وأكتبنا في جمـــــلة أوليـــــــائــــك *** الداخـلـيـن تحت كـبـريــــــائـــــك*** بالإسم الأرفع المرفع الـــمجــــيـــــر *** أصلح أمورنا ياعالــم يا خــبـــيـــــر*** ياربنا يــــا ربنا أنت الكـــــــــريـــم *** أعـف علينا يا جواد ياحـليــــــــم*** وأسبل علينا ســــــترك المجـــملا *** ولا ترد كـفي صفـــــــرا مـحــــولا*** وأغفر لـــــنا وأرحمنا يا تــــواب *** نحن و الحاضرين و الغــيـــــابــــــوا*** وأمـــــنـــن بمغفرتك للمسلمــــين *** واغفر يا رب هـفوات الوالديــــــن*** وأقبل تنصل نــــاظــــم الأبيــــات *** عـبيدك المــــقـر بالســــيئـــــــــــات*** أوصيكم إخـــــــواننا عــــليكــــم *** بحفظ هذا النظـــــم به تسـلــمـــــوا*** ومـــــــــن قرأه صباحا ومسـايا *** أمـن من كــــــل داء وبلايــــــــــــا*** سـميـتــــه بغــنـيــــة الـــفــــقــيـــر *** ومن تـــــلاه لا يخشى من فـــــقــــر*** قائله عبد الحـفـيـظ المـذنـب *** ابــــــــــــــــن محمد لله أيــــــــب*** ختمت النظم بالصلاة والســـلام*** على الحبيب المصطفى خيرالأنــــام*** وآله وصحبه والتـابــــعــيـــــن*** مانـمــة الاطـيــــار بالتـــــلاحــيـــــن*** الصلاة والسلام عليك يانبي الله ***الصلاة والسلا م عليك يا رسول الله*** الصلاة والسلام عليك يا خير خلق الله ***اللهم صلى وسلم وبارك على سيدنا مـــــحــــمد وعلى آله وصــحـــــبه صلاة أهل السموات والأرضـيـن عليه ،إجـــري يارب لطـــفك الخـــفي فى أمـورنـا والمسلميـــن.(03 مرات)***دعـاء انـس الصــد يـق للشيـخ سيدي مـحمـدالمـكـي بـن الصـديــق الخنقي رضي الله عنه بــــاسم الإلــه عـــظــيــم الجـــلا ل*** نـحمـده جـــل فـي كـل حــــــال*** ثــم الصــلاة بــعـدو والســــــــــلام *** عـلى نـبي بــعثــه خـــتـــــــام*** محـمـد وصـحبـه الأخـــيــــــــــــــار *** وأصـــفيـــاء امــة المــخــــتـار*** فــجد علــيـنا وأغـــفر الذنـــــــــوب *** وكــن إليــنا واســتـر العــيـوب*** وألطـف بنا في مجـال الأقـــــــــدار *** واحـفــظ قلـوبـنـا من الأغـيـــار*** وأســلـــك بنا طريـقة الـــرشـــــاد *** أنـت الكريم مجـيـب المـنــــادي*** واســبـل عليـنا رداء الأسـتـــــــــا ر *** وعــافــنا مـن سبـل الأوعــــار*** وأجـعـل مألـنـا الـى رضـــــــــــــاك *** حــل بـيـنــناوبـيـن مـا ســواك*** وهــب لنــامــواهــب الـتـقـــــريب *** وأدخـلـنـا في كنف الـتــغـيـيـب*** واشهدنــا من جمـال الجـمــــــــال *** وحـلــنا بــحـلـل الـــكـــمـــــــال*** يا بـــر يافــتــاح يا مــنـــــــــــــــان *** ويــا عظــيـــم الجـود ياحــنـــان*** انـت الـرؤوف الـرحيم الرحمــــــان *** الـمؤمـن المهيـمـن الـديـــــــان*** ذو الطـول ولاحـسان والانـعـــــام * ** والفــضـل والـمـنـة والاكــــــرام*** افـتـح لنا خـزائـــن الــــعــلـــــوم *** ونــافـــع الإلهام والفــــــــــهوم*** ورقـــنا فـي درج الأحـبـــــــــــاب *** واســقــنا مـن خـالص الشـراب*** وأمنـن علـيـناواجـب الوجـــــــود *** بكشـف حــجـب بـصــر الشــهود*** وأغـنـنا عـن السـوى يا أحـــــــــد *** و عـــافـنا مـن البـــلا يــــا صــمد*** وأردد شــــــــرور جـمـيع الحسـاد *** عليهم وأهــدهم يا هـــــــــــــاد*** نعـم المولى أنت نعم النصيـــــــر *** مطــلـــع على الخفا بصــــــــير*** دعـونـاك بـحـال الإضـطــــــــــرار *** أقــبـل علـينــا جــد بالإنــتـصــار*** على الشيطان وهـوى النفـــوس *** وقـدسنــا باســمـــك القـــدوس*** أنت العــزيز الجـبــار الكبـيـــــــر *** ذو قـــوة وسلـــطـان قـــــديـــر*** أقــهـرعليـنا جمـيـع الأعــــــــداء *** وقـــــهم عـــقـــوبـة الإيــــــــذاء*** الله يـــا رحـــــمـــان يــــــاودود *** رحـــمـاك ربـنـا وعـــد مـوعــــود*** أدخل قلوبنا شمس الهدايــــــة *** وحـــلـل بـنـا دائــرة الولايــــــــة*** ومثـواناإجـعـل حضـرة الجــــليـل *** غـــــــد ونـا بــها وبالأ صيـــــــــل*** أشـرح صـدورنـا بالوحــــدانيـــة *** وجـمـلـنا بـالأخــــــلاق السنـــية*** وأسـلـك بنا في لجـج التوحـيــد *** ونجـنـا مـن شــــرك التـقــيــيـــد*** حتى نغيب عن سواك والأثـــــــر *** ونستــريـح مـما غـــاب وحـضــــر*** يا ربـــنـا ياصــادق المــيـعــــــاد *** ياحــاضرا مســتــمــع المنـــادي*** إختم لنا بسابـق العــــــنايــــــة *** وأحــطــط عـنا تــبـعـة الجـنـايــة*** وأغفر ذنــوب جـمـيـع الابـــــــــاء *** والمسلمــيـــن بخـــيــر الـــــوراء*** قائـلـه مسـتـغـفـرا حـــــقـيــــرا *** إغــفـر لـه يـا عـالـمـا خــــبــيـــرا*** محمد المكي نــجــــل الصـديـــق *** وتابـعــوه مــن أهــدى فـريــــق*** وصـل يــارب على الرســـــــــــول *** مـحـمــد وصـحـبـه العــــــــدول*** وآلــه وســـــــلــمــن جـمـيـــــعا *** علــيهـــم وزدهــــم تـــرفـــيــعـا*** ( طبع بالمطبعة الرسمية التونسية في ربيع الانور عام 1314 هـ) (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ر ب العالمين)
الترحيب بالزوار:
بسم الله الرحمن الرحيم*** اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه صلاة أهل السموات والأرضين عليه ،إجري يارب لطفك الخفي في أمورنا والمسلمين *** اللهم صل على سيدنا محمد عين الرحمة الرحمانية منبع فيوضات الاسرار القدسية وإشراق الأنوار الربانية ومواهب الفتوحات الإلهية وآله وصحبه وسلم.*** الصلاة والسلام عليك يانبي الله*** الصلاة والسلام عليك يا رسول الله*** ***الصلاة والسلام عليك يا رحمة للعالمين***الصلاة والسلام عليك يا شفيع المؤمنين***الصلاة والسلام عليك يا خير خلق الله*** اللهم انصر الاسلام والمسلمين في كل مكان ووفقنا لما تحبه وترضاه من صالح القول والعمل واجعلنا ممن يقول خيراأو ليصمت مخلصين لك الدين والحمد لله رب العالمين***السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ***اهلا وسهلا بالإخوان في مدونة الاحسان خنقة سيدي ناجي *** فضل المداومه على الأذكار*** بسم الله الرحمن الرحيم*** الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه*** *** ذِكر الله من أجلِّ العبادات وأحبّها إلى الله سبحانه وتعالى، فلم يزل يأمر بها عباده ويحثُّهم عليها تزكيةً لنفوسهم وتقويةً لإيمانهم وزيادةً في يقينهم، فإنَّ المُلازم لذِكر الله في كافة أحواله، لا تراه إلاَّ سبَّاقًا إلى طاعة الله، وقَّافًا عند حدوده، قائمًا بأمره، توَّاقًا إلى لقائه، مُدبِرًا عن الدنيا، مُقبِلاً على الآخرة. وقد علَّق الله جلَّ وعلا فلاح المؤمنين بإقامتهم لذكر الله، فقال تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( [الجمعة:10]. وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا( [الأحزاب: 41] ولقد نهى الله جلَّ وعلا عن الغفلة عن ذكره، فقال تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ( [الأعراف: 205] لأنَّ الغفلة عن ذكر الله تُمكِّن الشيطان من إحداث الوساوس والخواطر، وتُضعِف إيمان المرء وتجعله أسير الشهوة والنفس الأمَّارة بالسوء ومغريات الدنيا الفانية؛ فلا تراه إلاَّ متثاقلاً عن أداء الفرائض، سبَّاقًا إلى الشبهات وانتهاك الحرمات، وتلك علامة الموت والغفلة. فعن أبي موسى عن النبي قال: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت» . وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله : «ما من قوم يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار، وكان عليهم حسرة». فذِكر الله حياة القلوب وبهجة النفوس، وشفاءٌ للصدور والأرواح، وقوَّةٌ في الأبدان، ونور في الوجه والعقل والبصر، لذلك قال تعالى: (وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ( [العنكبوت: 45]. وعن عبد الله بن بسر أنَّ رجلاً قال: يا رسول الله، إنَّ أبواب الخير كثيرة ولا أستطيع القيام بكلِّها، فأخبرني بما شئت أتشبَّث به، ولا تُكثر علي فأنسى. قال: «لا يزال لسانك رطبًا بذِكر الله تعالى».*** وللذِّكر فضائل وفوائد لا عدَّ لها ولا حصر، ويكفي أنه من أجلِّ العبادات وأحبّها إلى الله، ومن أسهل الطرُق وأيسرها وأقربها إلى رضوانه وجنته. فلو تأمَّلت أخي الكريم في بعض الأذكار المأثورة، وعاينت كلماتها لوجدتها سهلة على اللسان لا تحتاج إلى كبير جهدٍ أو عناء، ثم لو طالعت ما أعدَّ الله جلَّ وعلا للمُشتغلين بها من عباده لعلمت أنَّ ذكر الله من أجلِّ العبادات وأصلحها لشئون الدنيا والآخرة. وفيما يلي أعرض عليك أخي الكريم هذاالحديث الشريف : فعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله : «لقيت ليلة أُسرِي بي إبراهيم الخليل عليه السلام، فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أنَّ الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر». فمن منا يعجز عن قول: «سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر»؛ إنها جملة سهلة المبنى بيَّنة المعنى، يقولها الضعيف والقوي والصحيح والسقيم، ومع هذا فإنَّ أجرها عند الله عظيم؛ فهي غراس الجنة .. وما أدراك ما غراس الجنة؟ فشجرة من أشجار الجنة يسير فيها الراكب مائة عام ما يقطعها! فالعاجز، من حرم نفسه هذا الأجر وزهد في غراسٍ دائم باق، واشتغل بغراس الدنيا الزائف ***قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(من قال بعد صلاة الصبح أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك إلهاً واحداً صمداً.. لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولم يكن له كفواً أحد .. كتب الله له أربعين ألف حسنة ) حديث حسن ذكره ابن السني في عمل اليوم والليله رقم 162 ***علم التصوف علم ليس يعرفه *** الا اخو فطنة بالحق معروف وليس يعرفه من ليس يشهده *** وكيف يشهد ضوء الشمس مكفوف ***ليس التصوف لبس الصوف ترقيعه*** ولابــكاؤك إذاغنى المغنونا*** ولاصـياح ولا رقـص ولا طرب** **ولاإختباط كأن صرت مجنونا** بل التصوف أن تصــفو بلا كدر*** وتتبع الحق والقــرآن والدينا*** وأن تـرى خاضــعاًعلى ذنوبك*** طـــــــول الدهر محــــــزونا*** إذا لم يكن للنفس شيخ له هدى*** يؤدبهابالروح زاغت عن السـير*** يا من تروم ســعادةأبدية** والفوز بالمرغوب والرضوان*** فاسلك سبيل الذاكرين ولذ بهم*** فســبيلهم فيه رضاالرحمن*** واتبع طريقتهم فإن عمادها *** فقه وتوحيدمع الإحســـان*** إلزم الأولياء صدقا وسلم***** حالهم واعتقد كمال الصفاء واستقم عاشقا إن رمت وصلا ***** بحماهم في شدة أورخاء وتمتع بحبهم وافنى فيه ***** هم أجل الصحاب والرفقاء هم ملوك الحمى أسود البرايا*****اهل حلم ونجدة ووفاء ****** قال الشيخ الجليل ولي الله أبو سالم سيدي إبراهيم التازي دفين وهران رضي الله عنه**** زيارة أرباب التقى مرهم يبري ***** و مفتاح أبواب الهداية و الخــيــــــــر**** و تحدث في القلب الخلــي إرادة ***** و تشرح صدرا ضاق من سعة الـــوزر**** و تنصر مظلوما و ترفع خاملا ***** و تكسب معدوما و تجبر ذا كســـــــــر**** وتبسط مقبوضا و تضحك باكيا *****و ترفع بالبر الجزيــل و بالأجــــــــــر**** عليك بها فالقوم باحوا بسـرها ****وأوصوا بها يا صاح في السر والجهــــــــر**** فكم خلصت من لجة الإثم فاتكا***** فألقته فــــي بحر الإنابة و الســـــــر**** و كم مـــــــن بعيد قربته بجذبة******* ففاجأه الفتح المبين مــــــــن البـــــر**** و كم من مريد ظفرته بمرشد *******حكيم خبير بالبلاء و مــــــــــا يـــبــــري**** فألقت عليه حلة يمنية مطـرزة ****** باليمن و الفتـــــــــح و النصـــــــر**** فزر و تأدب بعد تصحيح توبة *****تأدب مملوك مع الملـــك الحـــــــــــــــــــر**** ولا فرق في أحكامها بين سالك *******مرب ومجــذوب و حـــي و ذي قــــــــبـر**** و ذي الزهد والعباد فالكل منعم*****عليه و لكن ليست الشمس كالبدر *** ***اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه صلاة أهل السموات والأرضين عليه ،إجري يارب لطفك الخفي في أمورنا والمسلمين *** الصلاة والسلام عليك يانبي الله*** الصلاة والسلام عليك يا رسول الله*** ***الصلاة والسلام عليك يا رحمة للعالمين***الصلاة والسلام عليك يا شفيع المؤمنين***الصلاة والسلام عليك يا خير خلق الله*** ***والحمد لله رب العالمين***

الأحد، 26 يونيو 2011

الحضور الصوفي في الجزائر

 
1/ جهاد الشيخ سيدي عبد الحفيظ 
بن محمد بن أحمد الخنقي
رضي الله عنه ضد الاحتلال الفرنسي
1850-1849م
من السباقين لرفع راية الجهاد ضد الاحتلال الفرنسي الشيخ سيدي عبد الحفيظ شيخ الطريق الرحمانية في خنقة سيدي ناجي ولاية بسكرة الجزائر.
- قاد الشيخ سيدي عبد الحفيظ بن محمد بن احمد الخنقي الجها د ضد الاحـتلال الفرنسـي بجـــيش قوامه 5000  مجـاهـــد من خـنـقـة سيدي ناجـــي وششــار والاوراس وإلتحق به  الشيخ الصـادق بالـحـاج بالاخوان من تبرماسين وسيدي المصمودي والشيـخ مــحمـــد الصغــيـرلـفـــك الحصار على مدينة بسكرة  ودعم مقاومة الزعاطشة ودارت معركة واد براز قرب سريانة في مكان مكشوف على ضفة واد براز شمـــال سيدي عـقـبة والتي قتل فيها قائد القوات الفرنسية سان جارمان وكانت المعركة غير متكافـئة في 29 اوت 1849م ، ويروي بعـض الشيوخ بان الشيخ سيدي عبد الحـفـيـظ  جـرح في المعــركة وعاد الى خنقة سيدي ناجــــي  ليــجمع ويــــوحــد صفــوف الاخـوان  في الطريقة الرحمانية من جديد لكن الوقـت لم يكـــن في صالحه فوصلت قـوات الاحـتلا ل الي خـنـقـة سـيدي نـــاجـي وأرادو الامـساك بــــه  وتقول الروايات الشفوية المتواترة بان الشيخ سيدي عبد الحفيظ بعد محاصرته أدى الصلاة  لله وطـلب لقاءه فـكان له ما اراد  فتوفاه الله تعالى وعـــاد الفرنسيــون خـائبـيـن عــــــام 1266 هـ / 1850م ولم يمت بالكوليرا كما زعم الفرنسيون.
ودفــن خـلف زاويته ولا يـزال ضريحه الطـاهـرمزارا  تـشــع منه الانـواروالبركــات لكـل العارفين بالله والاخــوان من كــل مكـان للـدعـاء والتـبـــــــرك  . رحمه الله.
*************هـ/ع*************


2/ ثورة الشيخ عبد الحفيظ الخنقي 1849م
تعد انتفاضة الشيخ عبد الحفيظ الخنقي من أهم الانتفاضات الشعبية التي عرفتها منطقة الزاب الشرقي ،كما أنها اعتبرت امتدادا لثورة الزعاطشة بقيادة بوزيان سنة 1849، و أهم ما ميز هذه الانتفاضة أن زعيمها كان عالما متصوفا، إلا أنه حمل راية الجهاد بكل قوة و حزم.
أما المنطقة التي شهدت الثورة وهي الخنقة التي تعني الفج أو المضيق بين جبلين، و قد تأسست الخنقة على يد سيدي المبارك، الذي يعود أصله حسب الشيخ بن سلامة في كتابه الأنساب إلى بني أمية في الأندلس، الذين هاجروا إلى كل المغرب العربي ،إثر سقوط الحكم الإسلامي بها،و هكذا تنقل سيدي المبارك بن قاسم بن ناجي باحثا عن مستقر له و لرفاقه، إلى أن رأى حسبما يشاع رؤيا دعي فيها للذهاب إلى مكان يدعى مورد النعام، و هو موقع خنقة سيدي ناجي الحالي ،فقصده مع بداية القرن 11 هـ الموافق ل1602م، و اختيار الموضع كان مدروسا فهي تقع في مكان حصين بعيدا عن الأنظار، كما يمر بمحاذاتها وادي العرب، فشرع في بناء المسجد وغرس الأشجار .
و نسبها يعود إلى جده الأول سيدي ناجي الولي الصالح المدفون بتونس فسميت خنقة سيدي ناجي تبركا به،وهي تقع بالجنوب الشرقي للأوراس على سفح الأطلس الصحراوي شرقي مدينة بسكرة بحوالي 100 كلم، بين جبلين يتوسطها وادي العرب ،و تحيط بها غابات النخيل و أشجار الفاكهة، حيث ذكرها الورتلاني في نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ و الأخبار بقوله :"و الخنقة قرية مباركة طيبة ذات نخل و أشجار تقع بين جبلين" ، كما شرع في بناء المساكن ، فأسس حارة لواطة في الجهة السفلى و حارة صدراته و هي تقع فوق الحارة السابقة .
۞ نبذة عن حياة الشيخ عبد الحفيظ الخنقي :
هو عبد الحفيظ بن محمد بن أحمد الهجرسي العامري الونجلي الإدريسي الحسيني الخنقي، و ينتهي نسبه إلى سلالة شريفة ، كما أكد ذلك الشيخ العالم الشاعر عاشور الخنقي في مؤلفه منار الأشراف .
ولد بخنقة سيدي ناجي،من أسرة محافظة و قد أغفلت المراجع التاريخية تاريخ ميلاده الذي يرجح أن يكون سنة 1789 م .نشأ و ترعرع في مسقط رأسه، حيث حظي بتربية إسلامية خالصة، فنهل العلم من منابع علماء المنطقة مثل الصديق الو نجلي، ثم الشيخ محمد بن عزوز البرجي أحد كبار العلماء الجزائريين في نهاية القرن 18 و مقدم الطريقة الرحمانية بمنطقة الزاب .
و قد أصبح الشيخ عبد الحفيظ الخنقي أحد شيوخ هذه الطريقة البارزين ،وذلك بدعوته الدينية ببعث وإحياء الوحدة الروحية والوطنية ،فحمل على عاتقه لواء النهضة وتبنى المنهج الثوري التحرري الذي كان له أثره العميق في بث الروح الوطنية في وجدان الشعب أسس بالخنقة زاويته التي كانت منارة لنشر الدين و العلم ،وتتلمذ على يده العديد من الشيوخ الذين لمع صيتهم ،كما لعبوا دورا بارزا في الحياة الثقافية و السياسية في المنطقة. منهم محمد المكي بن الصديق الخنقي و التارزي بن عزوز.
و أهم مؤلفاته: التعريف بالإنسان الكامل،الجواهر المكنونة في العلوم المصونة، حرب الفلاح، مصباح الأرواح، الحكم الحفيظية، غنية القارئ بترجمة ثلاثيات البخاري .
وللشيخ عبد الحفيظ ثلاثة أولاد ،وقد ذكر المؤرخ لويس رين واحدا منهم ،هو "الشيخ سي محمد الأزهري بن عبد الحفيظ مسؤول عن زاوية صغيرة بحيران في جبل شاشار ،وقد كان يميل إلى حياة العزلة والانطواء " .
وعموما فإن الشيخ عبد الحفيظ كان يتمتع بسمعة حسنة بين القبائل بسبب حكمته و سداد رأيه

المطلب الأول: معركة واد براز17 سبتمبر 1849

بعد اندلاع ثورة الزعاطشة، و فشل المستعمر في إخماد لهيبها ،و عزل أحداثها، و نجاح بوزيان في توزيع دائرة دعايته و نشر مبادئ الجهاد في مختلف القبائل التي بقيت بعيدة عن صدى الثورة، بدأ بمراسلة زعماء المناطق المجاورة طالبا منهم مد يد العون و المساعدة، فاستجاب لندائه العديد من القادة و الزعماء المشهود لهم بالكفاءة و الإخلاص ومنهم: سي عمران بن جنان قائد أولاد سلطان و الشيخ حكمت بن الجودي شيخ أولاد زيان و الشيخ عبد الحفيظ الخنقي ، هذا الأخير الذي لبى النداء، فبدأ بتوحيد قواته، و تمكن من جمع كتائب من المجاهدين أوائل الخريف، فحمل العالم الورع راية الجهاد و أعلن الثورة ضد فرنسا و أعوانها من أجل نصرة الدين و الوطن. و لم يتوان في الوقت نفسه في تقديم العون لواحة الزعاطشة ، التي بدأت تعيش في خناق شديد نتيجة الحصار المفروض عليها .
بعد تلقي الشيخ عبد الحفيظ الخنقي نداء زعيم الزعاطشة ،قدم الشيخ كل ما يملك من أجل نصرة أبناء وطنه، فبدأ باستمالة القبائل المجاورة له: أولاد داود و أولاد عبدي، و بني سليمان و أهل غسيرة و ليانة و بادس و زريبة الوادي بالإضافة إلى تعاون الشيخ الصادق بن الحاج الذي هب لنجدة بوزيان و سكان الواحة و فتح جبهة قتال جديدة ضد العدو لفك الحصار عليها، فبدأ بتحضير الذخيرة و المؤن و تجنيد المقاومين كما انظم إليهم أحمد بن الحاج خليفة الأمير عبد القادر .

في يوم السبت 25 أوت 1849 ،خرج الشيخ عبد الحفيظ الخنقي و أحمد بن الحاج بجيش مؤلف من 2000 شخص، و انظم إليهم الشيخ الصادق بن الحاج، الذي قدم من أحمر خدو و معه 200 فارس ،و قد أسندت قيادة هذه الجيوش للشيخ عبد الحفيظ الخنقي .
و تحركت القوات صوب مدينة بسكرة، كما حظي باستقبال حار و بتأييد مطلق من جميع القبائل التي حل بها والتي لم تبخل عليه بشيء ،بل دعمته بالعدد و العدة حيث انظم إليه أولاد صوله و أبنائهم، فبلغ عدد الجيش 3000 مقاتل منها 1000 من الفنطازية و 200 فارس و بعد أن استكمل الشيخ عبد الحفيظ الخنقي كل الاستعدادات للبدء بالمواجهة العسكرية ،أعطى الأوامر للقوات بالتحرك نحو الواحة .
في 17 سبتمبر 1849 وصلت واد براز، الذي يقع بمحاذاة سريانة التي تبعد بـ20 كلم عن بسكرة ،و هي تقع على مقربة من سيدي عقبة، التي كانت تحت حكم شيخ من عائلة ابن شنوف الموالية لفرنسا، و قد أصدر الشيخ عبد الحفيظ أمرا لقواته بحط الرحال ،و التمركز على الضفة اليسرى للوادي .
في هذه الأثناء قام الشيخ عبد الحفيظ بمراسلة شيخ سيدي عقبة بن شنوف يطلب منه العون و المؤازرة، لكن ابن شنوف قابل طلبه بالخيانة حيث أسرع بإبلاغ السلطات الفرنسية بالأمر، و عندما وصل الخبر للقائد سان جرمان ،بدأ بتجهيز نفسه ،و تحرك على رأس قواته المكونة من 300 من المشاة ،200فارس من الخونـة ، و70قناصا و55صبائحي .
وأسندت القيادة للعميل بولخراص الذي توجه إلى قرية تهوده ،لأنه كان يظن أن القوات متواجدة داخل القرية ،و قبل وصول القائد سان جرمان إلى القرية علم أن قوات الشيخ عبد الحفيظ متمركزة على ضفاف واد براز ،فحول وجهته إلى الوادي، و عندما وصل لاحظ هدوءا كبيرا مخيما على المكان، بالإضافة إلى ضعف الحراسة على معسكرات عبد الحفيظ، فاستغل وضع قوات الثوار فقام بمحاصرتها و مع بروز الفجر كان الفرنسيون في كل مكان يحاصرون قوات المجاهدين .
و مع صوت آذان الفجر انهالوا عليهم بوابل من الرصاص، معلنين عن بداية المعركة ، إلا أن بن قانة ذكر بأن المعركة بدأت على الساعة الخامسة و النصف صباحا في 21 سبتمبر، و لم تنته إلا في الليل عندما فر العدو هاربا ، و رغم الاختلاف حول تحديد موعد انطلاق المعركة، إلا أن ذلك لم يقف حاجزا أمام عزيمة الثوار ،بل نزلوا ميدان القتال بقوة يملؤها الإيمان بتحقيق النصر المنشود، فأصدر الشيخ عبد الحفيظ الأمر ببدء الهجوم على القوات الغازية .
واشتد القتال بين الطرفين في الصفوف الأمامية، حيث أظهر فرسان الشيخ من البسالة القوة ما بث الرعب و الخوف في نفس العدو، فاستغل الثوار خوف و هلع العدو، ووجهوا له هجمات قوية زلزلت تماسكهم ،فتحقق لهم النصر مع الساعات الأولى لبداية المعركة ،و ألحقوا بهم خسائر فادحة في الأرواح ،كما تمكنوا من قتل الرائد سان جرمان الذي أصيب برصاصتين في الرأس .
و لكن ما لبثت أن تمكنت قوات العدو من استرجاع سيطرتها و توازنها، فأحكموا حصارهم على الثوار، و برز الضعف في صفوفهم نتيجة عدم تكافؤ المعدات الحربية ،و اعتماد قوات العدو على نصب الكمائن و المباغتة ،فانقلبت موازين القوى و تمكن من استجماع قواته، و تحول من موقع الدفاع إلى الهجوم ضد الثوار، و ما إن وصلت الساعة السادسة حتى أمر الشيخ عبد الحفيظ قواته بالانسحاب و التراجع إلى الجبال المجاورة، ريثما ينظم صفوفه و يجمع شتاته و يعاود الهجوم من جديد ليخلص بسكرة من الحصار ".
المطلب الثاني : نتائج المعركة

لقد اختلفت المصادر التاريخية في رصد نتائج معركة واد براز بسريانه، فالمصادر الفرنسية تصر على اعتبار معركة واد براز من أعظم انتصاراتها، على الرغم من مقتل قائدها سان جرمان ،حيث ذكرت هذه المصادر أن قواتها تمكنت من قتل ما يزيد عن 100 مجاهد، بالإضافة إلى استيلائها على الكثير من الخيول و البغال و الخيم و الأمتعة و حجز ماقارب 100 بندقية و كميات معتبرة من الذخيرة، أما خسائرهم فلم تزد على أربعة قتلى بالإضافة إلى القائد سان جرمان ،و أن الثوار اللذين تراوح عددهم مابين 1500 و 1000 مجاهد قد فروا إلى الجبال و من بينها خيمة القائد الشيخ عبد الحفيظ الخنقي .
وذلك ما جاء على لسان صحيفة نوفال(La Nouvelle) بتاريخ 30سبتمبر1849 بقولها : " قتل المقدم دوسان جرمان وأربعة جنود جرحى في معركة خاضها الجيش الفرنسي يوم 21سبتمبر 1849بالقرب من سريانة وهو يحاول مواجهة مابين 1500إلى 2000من العرب ،بهدف استرجاع بسكرة،غير أن هؤلاء قد فروا إلى الجبال تاركين وراءهم العديد من القتلى " .
أما ابن قانة فلم يذكر شيء عن نتائج المعركة سوى إصابة العديد من الجنود ،الذي أدى إلى تقهقر العدو و انكشاف قائد المعركة و مقتله. .
و بعد التأمل في هذه النتائج نجد أن المصادر الفرنسية حاولت التضخيم من حجم الانتصار لتثبت أنها القوة التي لا تقهر، و لكن الحقيقة هي أن المنطق التاريخي لا يمكن له أن يقبل هذه ،النتائج ذلك،بعد التمعن في التجهيزات التي تم إعدادها لهذه المعركة و القوة البشرية المشاركة فيها ،و التي تراوحت مابين 1500 و 2000 مجاهد، و المدة الزمنية التي استغرقتها حوالي يوما كاملا، و الأسلحة المستعملة ،إضافة إلى الإيمان الكبير الذي تحلى به الثوار أن تكون نتائجها مقتل أربعة جنود، في مقابل استشهاد حوالي 200 مجاهد، هذه الإحصائيات لا يمكن أن تكون صحيحة حسب رأي محمد العربي الزبيري . "إلا إذا كان رصاص الثور تمرا جمعوه من غابات النخيل" و كيف تحكم على انتصار العدو في المعركة و قد قتل قائدها ،و نجا جنودها بدون خسائر في صفوفهم .
أما من الجهة الثانية فالمصادر العربية ترى عكس ذلك، حيث تقر هذه الأخيرة بأن الخسائر عمت الطرفين، و قد تمكن الثوار من قتل العديد من الجنود و الخيالة قدرت ب100جندي وذكرت قائمة لبعض الجنود الذين قتلوا من بينهم:
• المقدم دوسان جرمان.
• حامل البندقية شفيديرات لبار.
• حامل البندقية باربوني طوماس .
• حامل البندقية ديبون ألكسندر .
• الجوال بونغون جين .
• الجوال روسيني غايتانو .
و لعل أحسن دليل على الخسائر التي ألحقها المقاومون بالعدو هي كلمة التأبين التي ألقاها كانروبار(Canrobert) أمام ضريح القائد سان جرمان واعدا إياه بانتقام من مقتله .
وقد رجح الدكتور أبو القاسم سعد الله استشهاد الشيخ عبد الحفيظ الخنقي في معركة واد براز إذ بقوله :" و في المعركة أستشهد الشيخ عبد الحفيظ كما قتل سان جرمان Saint Germain" إلا أن الكثير من المصادر التاريخية التي تناولت مقاومة الشيخ عبد الحفيظ الخنقي تؤكد أن وفاته كانت بعد مدة من المعركة.

بعد أن نجا الشيخ عبد الحفيظ الخنقي في معركة واد بزار، عاد إلى خنقة سيدي ناجي، حيث حاول جمع قواته ،و إعدادها من أجل رفع راية الجهاد من جديد، و في 4 نوفمبر 1949 اجتمع القادة " الشيخ عبد الحفيظ الخنقي و الشيخ الصادق بن الحاج و محمد الصغير بن أحمد بلحاج خليفة الأمير عبد القادر"، قصد الإعداد لمواصلة الجهاد .
وتم بالفعل جمع القوات و تجهيزها، حيث بلغت 2000 مجاهدا من جبل أحمر خدو من الزاب الشرقي إضافة إلى 50 فارسا من وادي سوف ،وقرروا استرجاع بسكرة ، ثم التوجه بعدها إلى الزعاطشة لتخفيف الحصار على الواحة ،إلا أن قلة الإمكانيات و ضعفها ،أجبر الزعماء على العدول عن مخططهم في تقديم المساعدة ،خاصة بعد وصول قوات عسكرية ضخمة إلى بسكرة بقيادة العقيد كاربيسيا.
وفي أثناء قيام فرنسا بحملات القمع ضد القبائل المساندة لثورة الزعاطشة ،وصلت الحملة العسكرية إلى قرية خنقة سيدي ناجي في 1جوان 1850،بقيادة (St Arnaud) الذي راسل الشيخ عبد الحفيظ الخنقي ،عارضا عليه السلم والأمان في مقابل التعامل مع قوات العدو ،لكن الشيخ رفض ،وفضل الرحيل إلى منطقة الجريد التونسي .

توفى الشيخ في 13 جويلية 1850، بعد عودته من الجريد التونسي ، بعد مرض الكوليرا الذي ألم به، و بهذا انطوت هذه الصفحة المنيرة و المشرقة من تاريخ الزيبان
 
  ***منقول دلال 5 -باتنة -منتديات الجلفة***


دور الطرقية في مقاومة الاستعمارالفرنسي
الطريقة الرحمانية

عبد المنعم القاسمي الحسني
الطريقة الرحمانية نموذجا:
- يذكر حمدان خوجة في كتابه المرآة أن شيوخ الطرق الصوفية هم الذين أمروا جميع المواطنين الجزائريين بالتعبئة العامة والدفاع عن مدينة الجزائر العاصمة بعد تخلي الأتراك عن هذه المهمة.
- كشف الضابط دي نوفو في كتابه الإخوان الصادر سنة 1845 عن الدور الرئيس الذي أدته الطرق الصوفية في مقاومة الاحتلال، وتحدث النقيب ريتشارد عن ثورة الظهرة التي قامت سنة 1845 مبرزا الدور المهم الذي قامت به الطرق الصوفية في هذه الثورة.
- ومن تقرير للمفتشية العامة حرر بالجزائر سنة 1864 يعترف بالدور الخطير الذي تقوم به الطريقة الدرقاوية: "الدرقاوية كانوا معادين لنا كل العداء لأن غايتهم كانت سياسية بوجه خاص، أرادوا أن يشيدوا من جديد صرح إمبراطورية إسلامية ويطردوننا، إن هذه الطريقة منتشرة جدا في الجنوب ومن الصعب جدا مراقبتهم، لقد كانت ندوات الإخوان سرية وكانت أغلبية رؤسائهم معروفة".
- "إن مشائخ الزوايا يختارون في تدريسهم للقراءة نصوصا من القرآن معادية لنا، مما يحطم فيهم وبسرعة الشعور الذي سعينا لتطويره فيهم من طرف مؤسساتنا وتعتبر التأثيرات الدينية من ألد أعدائنا والتي يجب أن نخشاها ونخطط لها سياستنا، ولقد كانت القبائل الأشد عداء لنا هي التي تلك التي ينتشر فيها التعليم الإسلامي". من تقرير الملازم "بوسري" بعد ثورة 1846.
- وجاء في تقرير القائد الأعلى "دي توربيل" بتاريخ 4 أوت 1859، بعد الاضطرابات التي رافقت المعارك التي خاضوها ضد الجزائريين ما يلي: " إن مبعوثين وفدوا من مختلف أنحاء الشرق وينتمون إلى مجموعة سيدي عبد الرحمن بوقبرين الدينية الرحمانية، التي يسكن مقدمها الأكبر سي المختار بواحة أولاد جلال (بسكرة) ليسوا غرباء عما يجري، وقد كانت أشغال لجان التجمعات التي شرع فيها من نواح عدة في نفس الوقت موضوعا لخطبهم ومواعظهم".
- لقد كانت السرية التامة التي تحيط بالزوايا، وما يجري داخلها، من نشاط شيوخها والتي لم يستطع الاستعمار بما لديه من إمكانيات ووسائل الإطلاع عليها، يقول ماك ماهون سنة 1851: " يجب على الإنسان أن يقضي حياته كلها في الزاوية حتى يعرف ما يجري فيها وما يقال فيها".
- ويقول المؤرخ الفرنسي مارسيل إيميري: "إن معظم الثورات التي وقعت خلال القرن التاسع عشر في الجزائر كانت قد أعدت ونظمت ونفذت بوحي من الطرق الصوفية، فالأمير عبد القادر كان رئيسا لواحدة منها وهي الجمعية القادرية، ومن بين الجمعيات المشهورة التي أدت دورا أساسيا في هذه الثورات: الرحمانية السنوسية الدرقاوية الطيبية".
- ويؤكد السيد أوكتاف ديبون المفتش العام للبلديات الممتزجة بالجزائر - ومن مؤلفي كتاب الطرق الدينية في الجزائر 1897 - في تقرير بعث به إلى لجنة مجلس الشيوخ المكلفة بالجيش والتي كان يرأسها "كليمانصو": " إننا سلفا نجد يدا مرابطية وراء كل هذه الثورات التي يقوم بها الأهالي ضدنا".
- الشيخ محي الدين حمل راية الجهاد ويحملها بعده ابنه الأمير عبد القادر، وكان من أبرز المجاهدين في جيش الأمير عبد القادر سيدي محمد بن علال بن الولي الصالح سيدي مبارك دفين القليعة وشيخ زاويتها، الذي تولى قيادة الجيوش وخاض كبريات المعارك في نواحي وهران إلى أن سقط شهيدا في معركة وقطعت رأسه ووضعت في حراب من جلد وأرسلت إلى مريديه وأتباعه.
- في شهر يناير من عام 1845 شهدت منطقة الظهرة معركة هامة أطلق عليها الفرنسيون " انتفاضة الطرق الصوفية"، وذلك لمشاركة العديد من الطرق فيها ك-: الرحمانية، القادرية، الطيببية، وانتقم المحتل من عرش أولاد رياح الساكن جنوب مدينة تنس والذي كان له شرف المشاركة في هذه الثورة.
- ثورة الشريف محمد بن عبد الله المعروف ب- " بو معزة" في منطقتي الشلف والونشريس (1846 - 1847): من أتباع الطريقة الطيبيبة، استنفر القبائل والأعراش بمنطقة الظهرة والشلف والونشريس، واتسعت لتشمل التيطري والحضنة وجبال ديرة وسور الغزلان، ثم امتدت إلى نواحي أولاد جلال، حيث وجدت الزاوية المختارية وشيخها الجليل الشيخ المختار بن عبد الرحمن مقدم الطريقة الرحمانية كامل الدعم والمساعدة.
- ثورة البطل الشيخ بوعمامة، انتشرت ثورته عبر مناطق عين الصفراء وتيارت وفرندة وسعيدة وعين صالح وتوات، وكرزاز, توفي سنة 1908 بعد ثلاثة عقود من الكفاح. وكانت ثورته امتداد لثورة سبقتها بقيادة أولاد سيدي الشيخ جنوب وهران، استمرت من سنة 1864 إلى 1880، وامتدت إلى جبل عمور التيطري متليلي, ورقلة, أدرار، سعيدة، غليزان، سور الغزلان....
- ثورة بن ناصر بن شهرة من الطريقة القادرية، بدأ يعد للثورة سنة 1846 اعتقل سنة 1851 ووضع تحت الإقامة الجبرية رفقة عدد كبير من أتباعه من رجال الأرباع في محتشد قريبا من " بوغار". قال عنه الضابط الفرنسي " لويس رين": " كان ابن ناصر بن شهرة الملاح الحقيقي للصحراء". كما وجد المساعدة في الزاوية الرحمانية بنفطة لشيخها مصطفى بن عزوز التي كانت قبلة الثوار والمجاهدين، واستمر بن شهرة في كفاحه ضد الاستعمار إلى سنة 1875 حين أرغمه باي تونس على مغادرة بلاده، فيختار التوجه بحرا إلى بيروت ثم دمشق التي توفي بها سنة 1882.

الطريقة الرحمانية:
موضوع الطرق الصوفية من الموضوعات التي تشغل بال الكثير من الناس، والعديد من الباحثين والأساتذة والدارسين داخل الجزائر وخارجها، والحق أن للطرق الصوفية أهمية بالغة في الإسلام، وذلك أنها تمثل الجانب العملي من التصوف، وهو جانب ارتبط بحياة المجتمعات الإسلامية وجماهير الناس، ويسجل التاريخ لكثير من الطرق الصوفية مواقف لا تنقصها الشجاعة إزاء مواجهة العدو أو الظالم، ورد الظلم والدفاع عن مصالح الطبقات الفقيرة المستضعفة، وذلك في عزة مدهشة قل أن توجد في هذا العصر، ولا يخفى علينا دور الطريقة القادرية في مقاومة الاستعمار الفرنسي بالجزائر، ودور السنوسية في ليبيا غير خاف على أحد، ونجد الدور نفسه قامت به الطريقة الشاذلية في مصر تجاه المحتل، وحفاظا على مصالح العباد، في عصر الشاذلي نفسه, والطريقة الرحمانية من ضمن هذه الطرق الصوفية التي أدت دورا هاما في المجتمع الجزائري والمجتمع التونسي.
وهي تمثل أحد المعالم الرئيسية البارزة وظاهرة دينية روحية اجتماعية وسياسية هامة في تاريخ الجزائر المعاصرة، فمن أي زاوية تناولها وجدنا الكثير من الفوائد والفرائد التي تساعدنا على فهم الكثير من الحقائق في الناحية الدينية، الناحية السياسية، الناحية الاجتماعية.
والطريقة الرحمانية هي طريقة دينية صوفية، نشأت في الجزائر في أواخر القرن الثاني عشر الهجري = الثامن عشر الميلادي، على يد مؤسسها الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري (ومنه أخذت اسمها)، ففي سنة 1183 ه- أسس الشيخ زاويته بقرية آيت إسماعيل ومنها انطلقت الطريقة الرحمانية التي كانت تسمى في البداية الطريقة الخلوتية.
وهي طريقة تدعو إلى الصفاء والعودة إلى المنابع الأولى للإسلام - كما نجد ذلك في مصادرها ومراجعها الأساسية -، وهذا لا يمكن الوصول إليه إلا عن طريق تطهير النفس وتخليصها من الشوائب والرعونات التي تمنعها من الوصول إلى جناب الحق، ويجب عليها قطع سبع مراحل أو أنفس بواسطة سبعة أسماء، شرح هذه الطريقة وفصلها في رسائله الكثيرة والمتعددة التي كان يرسلها إلى أتباعه ومريديه، والذين كان يطلب منهم ألا يبقوها بأيديهم بل يبعثوا بها إلى غيرهم لكي يستفيدوا منها، ثم تعود إليه في آخر المطاف، وهي طريقة عرفت نجاحا كبيرا، وطبقها أتباعه بالحرف، مما أدى إلى سرعة انتشار الطريقة الرحمانية في القطر الجزائري، وقد عرفت هذا الانتشار الواسع في حياة مؤسسها نفسه.
والشكل العام في التنظيم في الطريقة الرحمانية متشابه مع بقية الطرق الأخرى، فهناك الشيخ أو المعلم الذي يكن له المريدون كل الطاعة، وهناك المقدم وهو الذي ينوب عن الشيخ في بعض المهام والوظائف، وهناك المريد وهو محور العلملية التربوية في الطريقة.
وتهدف الطريقة الرحمانية - على ما يذكره أتباعها - إلى الجمع بين المنهجين المعروفين في الفكر الإسلامي:
1 - منهج العلماء الذين يرون ضرورة التمسك بأحكام الشريعة الإسلامية.
2 - منهج الصوفية الذين يرون ضرورة التمسك بالتجربة الدينية.
أما مؤسس الطريقة الرحمانية فهو الشيخ المؤسس سيدي محمد بن عبد الرحمن الأزهري([1]): فهو محمد بن عبد الرحمن...بن فاطمة بنت رسول الله [2]), ولد حوالي سنة 1133 ه-= 1715م, بقرية بوعلاوة، التي تقع ببلاد جرجرة ([3])، وإلى هذه الأرض ينسب، كما لقب بالأزهري نسبة إلى الأزهر الشريف الذي جاوره مدة طويلة.
نشأ ببلاد زواوة، تتلمذ في بداية أمره على يد الشيخ الصديق بن آعراب، ثم ذهب إلى الحج في حوالي التاسعة عشر من عمره أي حوالي سنة 1152 ه-= 1734م([4])، وفي طريق عودته أعجب بالأوضاع العلمية بمصر فاستقر هناك مجاورا للأزهر الشريف، وتلقى العلوم على أيدي علماء أجلاء منهم:
أحمد بن محمد بن أبي حامد العدوي المعروف ب-" الدردير"([5]) (ت1201 ه-), علي بن أحمد الصعيدي([6])(ت 1189 ه-)، الشيخ علي العمروسي([7]) المتوفي سنة 1173 ه-، وعلى يد "المنور التلمساني "(ت 1173 ه-)([8]).
وبعد تحصيل العلوم الفقهية من هؤلاء الأعلام، اتجه إلى الشيخ محمد بن سالم الحفناوي الخلوتي، وسلك على يديه([9])، الذي كلفه بنشر الطريقة والدعوة في بلاد السودان والهند، فأقام ست سنوات في دار فور يقرئ السلطان ويدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى صار له أتباع كثيرون، وحصل له الإقتداء في هذه المنطقة، ثم أمره شيخه بالعودة إلى القاهرة وألبسه الخرقة وكلفه بالتوجه إلى الجزائر لنشر الطريقة هناك, وكان ذلك سنة 1183 ه-= 1764م.
استقر الشيخ بن عبد الرحمن فترة بمسقط رأسه، ثم انتقل إلى قرية "الحام-ة" قرب مدينة الجزائر, واستقر هناك وتصدى للتعليم ولنشر الطريقة الخلوتية، والتف حوله عدد كبير من الطلاب، فعلا صيته وذاعت شهرته، وبنى زاويته التي اتخذها مركزا لنشر الطريقة وملتقى للإخوان والمريدين.
ولم تمض فترة طويلة على استقراره ب-"الحام-ة" حتى بدأت المشاكل والمتاعب تترى من طرف علماء الظاهر، فبدأوا بشن الحملات عليه وإثارة ال-داي محمد عثمان عليه، مما جعله ينصب له مجلسا للحكم في أمره وللنظر في الاتهامات الموجهة إليه، وظهرت حججه على آرائهم الباطلة وبرئ من تهمة الزندقة التي وجهت إليه.
وبالرغم من موقف الداي إلا أن الشيخ رأى وجوب مغادرة الجزائر والعودة إلى مسقط رأسه آيت إسماعيل بجرجرة وأسس هناك زاوية جديدة وتفرغ للتعليم والطريقة.
توفي سنة 1208 ه- = 1793م. ودفن بزاويته.
ترك الشيخ بن عبد الرحمن الأزهري مجموعة كبيرة من التلامذة كانوا بدورهم من شيوخ الطريقة ونشروها في مختلف البقاع، وم-ن أشه-ر تلام-ذته: علي بن عيسى المغربي، عبد الرحمن باش تارزي، محمد بن عزوز البرجي، محمد العم-الي والد حميدة العمالي...
أما عن مؤلفات-ه، فيذكر الشيخ الحفناوي في تعريف الخلف برجال السلف: " أن للأزه-ري رسائل كثيرة في تعليم الخلق وإرشادهم إلى طريق الخير، اعتنى بجمعها أكابر رج-ال طريقته، ولو طبعت لكانت مجلدا كبير الحجم كثير العلم "([11]).
ومن أشهر مؤلفاته: رسالة فتح الباب([12])، رسالة طي الأنفاس([13])، دفتر الدفاتر([14])، شرح على الريفاوي([15]) وهو شرح لقصيدة (قوته قولي) لصاحبها عبد الله الريفاوي، شرح لامية الزقاق([16]) وهي في الأقضية، قال عنه أنه ألفه بإذن شيخه الحفناوي، زلزلة النفوس ([17]) وكان لا يفارقه لعزته عليه, وغيرها من المؤلفات والرسائل.
توفي الشيخ بن عبد الرحمن وكان قد أوصى بالخلافة بعده إلى تلميذه الشيخ علي بن عيسى المغربي، وترك له جميع كتبه وأوقافه وأشهد على ذلك أهل آيت إسماعيل، وظل الشيخ علي بن عيسى يدير شؤون الزاوية إلى وفاته 1836م= 1251 ه-.
تولى بعده سي بلقاسم بن محمد الحفيد من المعاتقة- وفي عهده بدأ ظهور النزعة الاستقلالية لدى بعض الزوايا الرحمانية والانفصال عن الزاوية الأم بآيت إسماعيل، ولم يدم عهده إلا سنة.
تولى بعده سي الحاج البشير وهو أيضا من المغرب (1836- 1841).
تولى بعده محمد بن بلقاسم نايت عنان لمدة سنة واحدة أيضا (43-1844) ولم يكن يتمتع بسمعة طيبة ولا قدرة على القيادة وفي عهده تم الانفصال بين الزاوية الأم وزوايا الجنوب الرحمانية.
تولى بعده الحاج عمار سنة 1844, وأدى دورا هاما في مقاومة زواوة 1857، وقد هدمت الزاوية في عهده على يد الجنرال "ديفو" واضطر الحاج عمار إلى الهجرة إلى الحجاز.
وكانت الرحمانية في هذه الفترة هي زعيمة الطرق في زواوة.
وهذا التضييق والهدم أدى إلى انتشار سريع للطريقة، عكس ما كانت تتوقعه السلطات الاستعمارية، وافتتحت زوايا أخرى كزاوية الكاف مثلا وزاوية نفطة.
وبعد الحاج عمار تولى الشيخ محمد الجعدي والذي لم تطل مدة ولايته، إذ انتخب الأعيان والسادة والشيوخ الشيخ محمد امزيان الحداد شيخا للطريقة مع الاستقرار بصدوق، وفي عهده اشتهرت زاوية صدوق بالعلم، وعادت للطريقة حركيتها ومكانتها السابقة، ورغم سمعته الطيبة ومكانته السامية لم يستطع الشيخ الحداد توحيد فروع الطريقة الرحمانية، حتى في زواوة نفسها، فكانت قسنطينة / الخنقة/ طولقة/ الهامل /أولاد جلال / نفطة.
وفي عهده أيضا قامت ثورة 1871 - التي كان من نتائجها سجن الشيخ الحداد وإغلاق الزاوية وتهديدها.
وأوصى الشيخ الحداد قبل وفاته بالخلافة للشيخ الحاج الحملاوي شيخ الزاوية الحملاوية بتلاغمة بنواحي قسنطينة.
وتعتبر الطريقة الرحمانية أوسع الطرق انتشارا في الجزائر في ق19م، فإذا رجعنا إلى الإحصائيات فإننا نجد أن عدد أتباعها قد بلغ سنة 1851م حوالي 225299 مريد من بين 718691 إخوان ينتمون إلى الطريق الصوفي، وهذا في مقاطعة الجزائر فقط، وهو ما يعادل نسبة 32 بالمائة.
بينما نجد عند آجيرون في نفس السنة 1851 عدد المريدين لكن على مستوى القطر حوالي 533026 منهم 300 ألف يتبعون الطريقة الرحمانية أي أكثر من 55%..
وفي إحصاء كوبولاني وديبون الذي قاما به في سنة 1897 نجد أن عدد الزوايا بالجزائر بلغ 349 زاوية، منها 177 زاوية خاصة تابعة للطريقة الرحمانية وحدها أي ما يفوق نسبة 50 بالمائة.

من زواياها الشهيرة بالمنطقة الجنوبية:
1 - زاوية طولقة والتي أسسها علي بن عمر: وتعتبر من أهم فروع الرحمانية بالمنطقة الجنوبية, أخذ عن محمد بن عزوز، سيرها بعده علي بن عثمان خليفته بنوع من الحكمة وهو ابن المؤسس، امتد تأثيرها إلى خنشلة, بسكرة, أم البواقي, تقرت, الوادي. بلغ عدد أتباعها سنة (1871) حوالي 17 ألف مريد. وعدد زواياها 17 زاوية. لقب الشيخ علي بن عمر أيضا بالقطب وشيخ الشيوخ، لأنه أخذ مباشرة عن مؤسس الطريقة ونصحه قبل وفاته بملازمة الشيخ محمد بن عزوز.
2- زاوية نفطة: أسسها الشيخ مصطفى بن محمد بن عزوز, بعد احتلال بسكرة وخروجه إلى تونس، وسرعان ما أصبحت من أهم الزوايا الرحمانية. عرفت بالجنوب التونسي باسم "العزوزية", أصبح لها فروع بدورها في طرابلس, بنغازي, المدينة المنورة.
3- خنقة سيدي ناجي: أسسها أو أعاد تأسيسها الشيخ عبد الحفيظ الخنقي, عملت على نشر التعليم والأذكار الصوفية الرحمانية. وبعث الروح في زاوية أجداده الخنقة وأصبحت رحمانية الطريقة, شاركت في ثورة الزعاطشة, حيث استشهد الشيخ عبد الحفيظ, ثم تفرق أبناء الشيخ عبد الحفيظ: أحدهما الحفناوي ذهب إلى تونس واستقر هناك الثاني محمد الأزهري أسس زاوية بالخيران قرب خنشلة، واستقر بها إلى وفاته 1896. وترك تسيير شؤون الخنقة لولديه – شاركت الزاوية في ثورة الزعاطشة.
4- زاوية أولاد جلال: أسس الشيخ المختار تلميذ الشيخ محمد بن عزوز زاويته بأولاد جلال، التي سرعان ما انتشر تأثيرها إلى المناطق المجاورة خصوصا قبائل أولاد نائل. شاركت في
وقد توفي في أكتوبر 1862، أسس زاويته 1843 بعد هجرة شيخه إلى نفطة.
5- زاوية سيدي سالم بسوف: أسسها الشيخ سالم بم محمد الأعرج تلميذ علي بن عمر، وكان على صلة أيضا بزاوية بن عزوز بنفطة لقرب المسافة، والشيخ سالم هو ابن محمد بن محمد...بن المحبوب دفين القيروان. بعد وفاته تولى ابنه محمد الصالح شؤون الزاوية واشتهر بالصلاح والتقى (ت 1865).
وصفها هنري دوفيرييه في سنة 1860 بأنها ذات منارة طويلة تشرف على سوف كلها وأنها تقع قرب ساحة السوق, وأنها تتبع زاوية طولقة.

ثورات الطريقة الرحمانية:
كان للانتفاضات والثورات الشعبية التي قامت بها الطريقة الرحمانية خلال القرن التاسع عشر أسس دينية، وهي الجهاد ضد النصارى المعادين للإسلام، وبناء على ذلك أدت الزوايا الرحمانية دورا كبيرا ورائعا في معظم تلك الانتفاضات وأثّرت بشكل جلي على مسارها واستمرارها، فثورة المقراني مثلا كان لزعيمها الروحي الشيخ الحداد الدور الرائد في قيام هذه الثورة التي خرج طلاب الزوايا من سيدي موسى اويدير وآث وغليس وغيرها من الزوايا التابعة للطريقة الرحمانية استجابة لدعوة الجهاد، وبفضل هؤلاء المجاهدين استمرت الثورة....
1 - ثورة الحاج عمر:
وتعتبر زاوية امحمد بن عبد الرحمان في ذراع الميزان هي الأخرى كغيرها من الزوايا، أدت دورا كبيرا في المقاومة, إذ تزعم قيّمها الحاج عمر عام 1851 حركة ثورية ضد القوات الفرنسية، وكان قد عُيَّن في عام 1854 مقدما للرحمانيين، وهو زوج الشيخة فاطمة إحدى بنات الشيخ علي بن عيسى الخليفة الأول لمؤسس الزاوية، وكان شديد الحيوية والنشاط، ومال إلى تأييد الثوار أثناء ثورة الشريف بوبغلة واعتصم بالمناطق الجبلية الحصينة قرب الزاوية حتى أرغمته القوات الفرنسية على الاستسلام يوم 14 نوفمبر 1851 في بني كوفي بآيت إسماعيل.
وقد احتفظ برئاسة الزاوية والإخوان حتى عام 1856، حيث تزعم من جديد الثورة بنفسه، ربط صلاته بالشيخ واعراب في اث ايراثن ولالا فاطمة والشيخ محمد بن عبد الرحمان شيخ بني منقور وقادوا جميعا في جبال جرجرة جماهير الرحمانيين ضد الجيش الفرنسي الذي كان يقوم بعمليات استكشافية في جبال جرجرة تمهيدا لغزوها، وزحف الحاج عمر بنفسه يوم الثاني من سبتمبر 1856 على رأس إخوانه إلى ذراع الميزان، وتواصلت المعارك حول هذه المدينة إلى غاية، يوم 22 من نفس الشهر وقام الجنرال يوسف بالزحف على زاوية آيت إسماعيل وعسكر حولها، وقد اختارته فرنسا لمثل هذه المهمة لشدة حقده على الإخوان خاصة وعلى الجزائريين بصفة عامة.
2 - ثورة لالا فاطمة نسومر:
ولدت لالا فاطمة بقرية ورجة سنة 1246ه-/1830م وتربت نشأة دينية. ولما واتتها الظروف انضمت إلى المقاومة حيث شاركت بجانب بوبغلة في المقاومة والدفاع عن منطقة جرجرة وفي صد هجومات الاستعمار على أربعاء ناث إيراثن فقطعت عليه طريق المواصلات ولهذا انضم إليها عدد من قادة الأعراش وشيوخ الزوايا والقرى، ولعل أشهر معركة قادتها فاطمة نسومر هي تلك التي خاضتها إلى جانب الشريف بوبغلة (محمد بن عبد الله) في مواجهة الجيوش الفرنسية الزاحفة بقيادة الجنرالين روندون وماك ماهون فكانت المواجهة الأولى بربوة تمزقيدة حيث أبديا استماتة منقطعة النظير، إلا أن عدم تكافؤ القوات عدة وعددا اضطر الشريف بوبغلة بنصيحة من فاطمة نسومر على الانسحاب نحو بني يني، وهناك دعيا إلى الجهاد المقدس فاستجاب لهما شيوخ الزوايا ووكلاء مقامات أولياء الله فجندوا الطلبة والمريدين وأتباعهم واتجهوا نحو ناحية واضية لمواجهة زحف العدو على قراها بقيادة الجنرالين روندون ويوسف التركي ومعهما الباشا آغة الخائن الجودي، فاحتدمت المعركة وتلقت قوات العدو هزيمة نكراء، وتمكنت لالا فاطمة نسومر من قتل الخائن الجودي بيدها كما استطاعت أن تنقذ من موت محقق زميلها في السلاح الشريف بوبغلة حينما سقط جريحا في المعركة..
بالرغم من الهزيمة النكراء التي منيت بها قوات روندون يتشكرت، إلا أن ذلك لم يثنه من مواصلة التغلغل بجبال جرجرة، فاحتل عزازقة في سنة 1854 فوزع الأراضي الخصبة على المعمّرين الوافدين معه، وأنشأ معسكرات في كل المناطق التي تمكّن منها، وواصل هجومه على كل المنطقة. بالرغم من التغلغل والزحف لم يثبّط عزيمة لالة فاطمة نسومر من مواصلة هجوماتها الخاطفة على القوات الغازية فحققت انتصارات أخرى ضد العدو بنواحي يللتن والأربعاء وتخلجت وعين تاوريغ وتوريرت موسى، مما أدى بالقوات الفرنسية إلى الاستنجاد بقوات جديدة وعتاد حديث، إضطرت على إثرها فاطمة نسومر إلى إعطاء الأوامر بالإنسحاب لقواتها إلى قرية تاخليجت ناث عيسو، لا سيما بعد إتبّاع قوات الاحتلال أسلوب التدمير والإبادة الجماعية، بقتل كل أفراد العائلات دون تمييز ولا رحمة.
ولم يكن انسحاب فاطمة نسومر انهزاما أو تقهقرا أمام العدو أو تحصنا فقط بل لتكوين فرق سريعة من المجاهدين لضرب مؤخرات العدو الفرنسي وقطع طرق المواصلات والإمدادات عليه.
الشيء الذي أقلق جنرالات الجيش الفرنسي وعلى رأسهم روندون المعزز بدعم قوات الجنرال ماكمهون القادمة من قسنطينة. خشي هذا الجنرال من تحطم معنويات جيوشه أمام هجمات فاطمة نسومر، فجند جيشا قوامه 45 ألف رجل بقيادته شخصيا، اتجه به صوب قرية آيت تسورغ حيث تتمركز قواة فاطمة نسومر المتكونة من جيش من المتطوعين قوامه 7000رجل وعدد من النساء وعندما احتدمت الحرب بين الطرفين خرجت فاطمة في مقدمة الجميع تلبس لباسا حرير يا أحمر كان له الأثر البالغ في رعب عناصر جيش الاحتلال.
على الرغم من المقاومة البطولية للمجاهدين بقيادة فاطمة نسومر فإن الانهزام كان حتميا نظرا للفارق الكبير في العدد والعدة بين قوات الطرفين، الأمر الذي دفع فاطمة نسومر إلى طرح مسألة المفاوضات وإيقاف الحرب بشروط قبلها الطرفان.
إلا أن السلطات الاستعمارية كعادتها نقضت العهود،إذ غدرت بأعضاء الوفد المفاوض بمجرد خروجهم من المعسكر حيث تمّ اعتقالهم جميعا، ثم أمر الجنرال روندون بمحاصرة ملجأ لالا فاطمة نسومر وتم أسرها مع عدد من النساء....
وخوفا من تجدد الثورة بجبال جرجرة أبعدت لالا فاطمة نسومر مع 30 شخصا من رجال ونساء إلى زاوية بني سليمان بتابلاط وبقيت هناك لمدة سبع سنوات إلى أن وافتها المنية عن عمر يناهز 33 سنة، على إثر مرض عضال تسبب في شللها.
3 - ثورة الشيخ بن جار الله:
من ثورات الأوراس ضد الاحتلال الفرنسي تلك التي دعا إليها وقادها المجاهد البطل محمد امزيان من قرية جار الله نواحي تكوت، وهو من إخوان زاوية الشيخ المصمودي، وكان إماما ومدرسا بجامع سيدي عيسى بوقبرين, وكان وثيق الصلة بالزاوية الرحمانية بتبرماسين.
اندلعت الثورة يوم 30 ماي 1879م في قرية الحمام جنوب إيشمول، وامتدت حتى شملت جنوب شاشار، والتف حولها أعراش أولاد داود، بني بوسليمان واحمر خدو، وجماعة من بني وجانة، ومن الزوايا زاوية بوزينة بقيادة الهاشمي بن دردور، لكن العدو باغت المجاهدين بقوات لا قبل بها، وقد سقط من الشهداء يومئذ 120 شهيدا.
أما القائد بن جار الله فقد تسلل إلى تونس، حيث أقام بزاوية الشيخ إبراهيم ولد الشريف وهي زاوية رحمانية بقابس، ولكن عيون فرنسا كانت تلاحقه فألقي عليه القبض رفقة أخيه ونخبة من المجاهدين، ونقلوا إلى قسنطينة حيث حوكموا، وصدرت الأحكام في 26 جوان 1879م، وكانت كالتالي:
14 حكما بالإعدام، 26 حكم بالأشغال الشاقة، 16 حكم بالبراءة، وبعد صدور عفو من رئيس جمهورية فرنسا في 09 نوفمبر 1880 خففت أحكام الإعدام إلى الأشغال الشاقة والنفي، وهكذا نفي المجاهدون إلى كورسيكا وكايان ومن هذا الأخير فر القائد بن جار الله إلى مكة أين توفي بها سنة 1889.

4 - ثورة الهاشمي بن علي دردور([18]): (1230/ 1317 هـ =1815/ 1899م).
من زعماء الجهاد في الجزائر، وكبار رجال الطريقة الرحمانية، وإليه تنسب الطريقة الدردورية إحدى فروع الطريقة الرحمانية. ولد سنة 1230 هـ= 1815م بمدرونة بمنطقة وادي عبدي في قلب الأوراس بالشرق الجزائري، حفظ القرآن بمسقط رأسه، ولم يتجاوز الثانية عشر من عمره, ثم التحق بزاوية الشيخ محمد بن عزوز البرجي, ومنها انتقل إلى زاوية الشيخ عبد الحفيظ الخنقي بخنقة سيدي ناجي, ثم زاوية بوحجر نواحي قالمة ليعود بعد ذلك إلى مسقط رأسه.
سافر إلى مصر لمواصلة تعليمه, وبالضبط جامع الأزهر, وبعد تخرجه تولى التدريس بالإسكندرية إلى غاية سنة 1870, حيث عاد إلى أرض الوطن, وأسس زاوية ببلده سنة 1289 ه-= 1876م([19])، أصبحت تشكل خطرا على الاحتلال الفرنسي، شارك في انتفاضة الأوراس سنة 1879م بإخوانه ومريديه، مما أدى بالسلطات الاستعمارية إلى نفيه إلى جزيرة كورسيكا سنة 1293 ه-= 1880م، وفي سنة 1303 ه-= 1890م وبعد أن قضى في المنفى أكثر من عشر سنوات، أطلق سراح الشيخ الهاشمي وعاد إلى أرض الوطن, استأنف نشاطه بالزاوية, وتعود السلطات الفرنسية إلى اعتقاله ثانية سنة 1895 ونقلته إلى باتنة غير أن سكان الأوراس قاموا بمظاهرات لإطلاق سراحه وكان في طليعة المحتجين جماعة من الأعيان من بينهم الشيخ المبارك بن محمد بن بلقاسم من زاوية ثنية العابد وتحت ضغط الجماهير تم الإفراج عن الشيخ الهاشمي.
واصل الشيخ مهمته التعليمية والجهادية إلى أن وافاه الأجل سنة 1317 ه-= 1899م. عن عمر يناهز الخامسة والثمانين.
وصفه كل من ديبون وكوبولاني بأنه من ألد أعداء فرنسا ويحمل لها حقدا شديدا



[1]) عن ترجمة الشيخ محمد بن عبد الرحمن أنظر: مناقب الشيخ الأزهري: علي بن عيسى العصنوني، مخطوط بالمكتبة الوطنية بالحامة، تحت رقم 945، أعلام الفكر والثقافة في الجزائر المحروسة, د يحي بوعزيز، دار الغرب الإسلامي، بيروت، ط 1، 1995، تاريخ الجزائر العام, عبد الرحمن الجيلالي، ج 4/ 47، تعريف الخلف, أبو القاسم الحفناوي, مؤسسة الرسالة, بيروت, ط 2, 1985, ج 2/ 407، دائرة المعارف الإسلامية, مادة رحمانية، ج 10 / 533, معجم مشاهير المغاربة, إعداد جماعة من الأساتذة, بإشراف الدكتور الشيخ بوعمران، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1995, ص 37.
[2]) الحفناوي: تعريف الخلف برجال السلف، ج 2 ص 457.
[3]) جرجرة: قسم من جبال الأطلس بإفريقيا، يمتد إلى شمال الجزائر وإلى جنوب شرقي بجاية، أهله من قبائل البربر، دائرة المعارف، لبطرس البستاني، ج 6 / 426.
4أنظر: دائرة المعارف الإسلامية، مقال "رحمانية " ج 10 / 533.
[5]) الدردير: أنظر ترجمته في هدية العارفين في أسماء المؤلفين وآثار المصنفين من كشف الظنون لإسماعيل باشا البغدادي ج 1 / 181، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1992. فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المشيخات والمسلسلات لمحمد بن عبد الحي الكتاني ج 1 / 293، المطبعة الجديدة في فاس 1347 ه-, عجائب الآثار للجبرتي ج 2 / 32.
[6]) أحمد الصعيدي العدوي: أنظر ترجمته في سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر، لمحمد خليل المرادي المتوفي سنة 1206 ه- ج 3 / 206، هدية العارفين ج 1 / 769، معجم المؤلفين ج 7 / 29، الأعلام مج 4 / 260.
[7]) الشيخ علي العمروسي: أنظر ترجمته في معجم المؤلفين ج 7 / 86، هدية العارفين ج 1 / 768، الأعلام مج 4 / 284، 285، تاريخ الجبرتي ج 1 / 301.
[8]) المنور التلمساني: أنظر عنه فهرس الفهارس لعبد الحي الكتاني، ج 2 / 9.
[9]) أدخله الشيخ الحفناوي في الطريقة الخلوتية سنة 1171 ه-, أنظر: دائرة المعارف الإسلامية مج 10 / 533.
[10]) دار فور: مديرية بالسودان وعاصمتها الفاشر غرب السودان، كانت في القديم مملكة أسستها القبائل العربية التي انتشرت في الناحية الغربية لبلاد السودان، حوالي القرن التاسع الهجري، أنظر دائرة المعارف لبطرس البستاني، ج 10 / 174.
[11]) الحفناوي: تعريف الخلف برجال السلف، ج 2 ص 460.
[12]) رسالة فتح الباب: مخطوطة موجودة بمكتبة الأسرة العثمانية بزاوية طولقة بالجنوب الجزائري.
[13]) رسالة طي الأنفاس: وتسمى أيضا " رسالة طي النفوس من تكلم بها جال في بحر ملكوت القدوس "، مخطوطة موجودة بمكتبة زاوية الهامل ومكتبة الشيخ بنعزوز القاسمي رحمه الله، بعين وسارة.
[14]) دفتر الدفاتر: موجود بمكتبة أسرة العثماني بطولقة، ومكتبة الشيخ بنعزوز القاسمي.
[15]) شرح على الريفاوي: موجود بمكتبة زاوية الهامل، ونسخة بمكتبة الشيخ بنعزوز القاسمي.
[16]) شرح لامية الزقاق: توجد نسخة منه بمكتبة بنعزوز القاسمي, 40 ورقة، نسخ 1305 ه-.
[17]) زلزلة النفوس: ذكره المكي ابن عزوز في رسائله التي حققها ونشرها علي الرضا التونسي، دمشق 1984، ص 131.
[18]) أنظر: ديبون وكوبولاني 412، تاريخ الجزائر الثقافي 7 / 156، 158.
[19]) يذكر الأستاذ صلاح مؤيد العقبي في كتابه الطرق الصوفية والزوايا بالجزائر عند الحديث عن زاوية الشيخ علي دردور أن مؤسس زاوية مدرونة هو الشيخ علي دردور والد الشيخ الهاشمي وذلك في نهاية القرن الثامن عشر، وأن الشيخ الهاشمي قد حفظ القرآن بها وتولى التدريس بها وهي التي قامت بالمشاركة في ثورة ابن جار الله 1879م.

4 / الحضور الصّوفي في الجزائر على العهد العُثماني 
*د.مختار حبّار*

اتسم العهد العثماني في الجزائر بانتشار ظاهرة التصوف، وسيطرتها على توجيه مسار الحياة السياسية والاجتماعية والروحية بوجه لم يسبق لهذه البلاد أن عرفت مثيلاً له، رغم أنه كان منتشراً قبل وبعد هذه الفترة التي ندرسها. ولذلك لا يبدو عجيباً أن تتميز بداية هذه الفترة بنهاية حياة متصوف جزائري شهير، هو عبد الرحمن الثعالبي (ت 875ه)(1)، وتنتهي - بعد مرور زهاء ثلاثة قرون- ببداية حياة مجاهد ومتصوف جزائري آخر شهير أيضاً هو الأمير عبد القادر الجزائري (ت 1300ه)(2)، الذي قضى من عمره أربعاً وعشرين سنة في هذا العهد العثماني، وبقية العمر في عهد الاحتلال الفرنسي. وكأن اليد التي صافحت العثمانيين، ومهدت لدخولهم إلى الجزائر، هي نفسها اليد التي ودعتهم عند خروجهم منها، وهي اليد الصوفية.

قد يعترض المؤرخون المتمسكون "بالرسميات" على هذا الطرح بادعاء أن الوجود العثماني الرسمي في الجزائر يبتدئ بالضبط سنة 920 هجرية، لمَّا وطئت أقدام الأخوين: عروج وخير الدين بربروس، بلاد الجزائر(3) وينتهي سنة 1246 هجرية، عندما خرج هؤلاء، ووطئت أقدام الغزاة الفرنسيين أرض الجزائر(4). إن هذه أحداث تاريخية ثابتة لا جدال فيها، لكن الاستعمار الفرنسي لمَّا دخل الجزائر سنة 1830م، لم يعمّ حينئذ القطر الجزائري بأكمله في تلك السنة، بل ظل محاصراً في منطقة (متّيجة) أمداً طويلاً، ويكفي أن نذكر أن الأمير عبد القادر ظلَّ مستقلاً بالجزائر الغربية زهاء سبع عشرة سنة، عقد خلالها الجانبان (الأمير وفرنسا) معاهدات، وتبادلا السفراء.

كذلك الأمر بالقياس إلى العثمانيين فقبل وجودهم الرسمي بالجزائر سنة 920 هجرية كانت أساطيلهم تجوب البحر المتوسط، وكانت لهم علاقات جهادية مع أمراء وزعماء المدن والحصون المحاذية للبحر، لأن المدّ الصليبي الأوروبي عامة كان يهدد مدن شواطئ شمال أفريقيا بالسقوط والاحتلال، قبل ذلك التاريخ بأمد طويل، إذ يذكر بعض المؤرخين(5) أن: "سقوط مرفأ عنابة (كان سنة 867ه" قبل وفاة الثعالبي، وقد سقط إلى جانب مرفأ عنابة عدد من المدن الساحلية الأخرى: كالمرس الكبير، ووهران، وبجاية، وغيرها، وقد تكثفت الحملات الصليبية على الشواطئ المغاربية منذ "سقوط غرناطة سنة 897ه"(6).

ولذلك فقد ألفينا بعض الباحثين(7) يرون أنه "من الخطأ أن نبدأ تاريخ الجزائر العثمانية سنة 920ه/1516م، كما تذهب معظم كتب التاريخ فالوجود العثماني في الجزائر، وفي الحوض الغربي للبحر الأبيض أقدم من هذا التاريخ، فهو يعود في الحقيقة إلى أواخر القرن التاسع" ثم يقول: "وفي بعض النصوص المحلية وجدنا العثمانيين كانوا على صلة بأهل المدن الساحلية الجزائرية ولاسيما رجال الدين يتعاملون معهم، ويحاربون معهم العدو المشترك".

ومما لا شك فيه أن عبد الرحمن الثعالبي الذي كان آنئذ (أي أواخر القرن التاسع) على رأس إمارة "الثعالبة بمدينة الجزائر وسهول متيجة يحكم المنطقة حكماً ذاتياً(8) قد عانى كثيراً من الهجمات الصليبية، ولا يستبعد أبداً أنه كانت له اتصالات مع العثمانيين(9) بحكم رئاسته لقبيلته، وبحكم شهرته كرجل روحي كبير، له كلمته المسموعة في الأوساط الشعبية، ورؤساء القبائل المجاورة، وهو ما نلمسه واضحاً في رسالته(10) التي وجهها إلى نظيره محمد بن أحمد بن يوسف الكفيف ببجاية، ومن أهم ما يمكن استنتاجه منها، هو ذلك الفراغ السياسي، وفقدان سلطة زمنية واحدة تجمع كلمة الأهالي، والقبائل المنتشرة في ربوع هذه الأرض، فلم يجد الثعالبي سلطاناً لهذه البلاد يوجه إليه خطاب الجهاد، وحماية الشواطئ من مداهمة "بني الأصفر" لها –كما يسميهم- لمّا وجدناه فيها يشرح لنظيره "الكفيف" الخطة التي اتبعها والعدّة التي هيأها لمدافعة العدو وقتاله.

أما الربانيون الذين قيل في التاريخ، أنهم كانوا يحكمون من العاصمة تلمسان، المغرب الأوسط، أو "أهل الواسطة"(11) –مقابل حكم المرينيين للمغرب الأقصى، والحفصيين للمغرب الأدنى- فلم يكن لهم في حقيقة الأمر على هذه الربوع سلطان، ولا حتى للحفصيين، بدليل أن الثعالبي لم يستصرخ في رسائله(12) سلطاناً بعينه، بل استصرخ فيها رؤساء القبائل، مما يوضح لنا أن الحبل كان منقطعاً بين القبائل، والسلطة الزيانيّة الرسمية، وأنه لم يكن لأطراف هذه الأرض سلطان، إلا سلطان القبائل والعشائر تحكم نفسها بنفسها، ولا تخضع في أغلبها، لا لسلطان الحفصيين في الشرق، ولا لسلطان الزيانيين في تلمسان، الذين كانوا "نظرياً يحكمون المغرب الأوسط وهم في الحقيقة لا يحكمون عملياً إلا تلمسان وضواحيها، وساحل البحر إلى مقربة من مدينة الجزائر(13)، أما بقية البلاد الجزائرية، فقد كانت تتبع النظام العشائري أو القبلي، تخضع تارة عند الغزو والغلبة –للحفصيين أو المرينيين، وتارة أخرى للزيانيين، وفي أغلب الأحيان –وعندما تنتهي حملة الغزو- لا تخضع لأية سلطة، إلا لسلطة مشيختها، أو رؤساء الإقطاع والأمراء.

ومن أهم ما يمكن استخلاصه من رسالة الثعالبي أيضاً، هو شيوع الروح الصوفية وتحكمها في توجيه الأهالي إلى الجهاد، فمصدر رسالته في التحريض على القتال وإعداد العدة الموصوفة لمواجهة "بني الأصفر" لم يكن كل ذلك من تدبير عقل حكيم صقلته السياسة وحنكته تجارب الحرب، وإنما كان مصدره "رؤيا"(14) من رؤى الشيخ الصوفية، أخبر بها أولاً: قومه وعشيرته الأقربين، ثم بعد ذلك عممها فراسل في شأنها من راسلهم، وأكد لهم: إن ما يأمرهم به هو أتاه في "رؤياه" وإن العدة التي وصفها لهم: "دَرَق العُود" كذلك جاءت في الرؤيا، ويذكر أن قومه أنفسهم –بدواً وحضراً- لم يجتهدوا في إعداد العدة إلا لمَّا علموا أن ما يمليه عليهم هو من قبيل الرؤيا، لإيمانهم العميق بكل ما يمت بصلة إلى الغيب، وثقتهم العمياء في أقطابهم من رجال التصوف.

ونستخلص من كل ذلك أن الأوضاع السياسية للبلاد، كانت مضطربة، وخريطتها السياسية، لم تكن واضحة المعالم والحدود، فمثل الجزائر بمشيخة الثعالبة كان له ما يماثله من المشيخات والإمارات في مناطق أخرى من الوطن، وظلت الذهنية الشعبية مرتبطة بالسلطة الروحية المتمثلة في "مشائخ الصوفية" أكثر مما كانت مرتبطة بسلطة زمنية معينة تجمع شتات القبائل المتنافرة، فقد كان لكل مدينة رمزها الروحي، الذي يؤلف بين القلوب. فالثعالبي ظلَّ حياً –ثم ميتاً- يمثل رمز السلطة الروحية في مدينة الجزائر وأحواض متّيجة، وكان القطب الصوفي محمد الهواري يمثل تلك السلطة في وهران،  وكانت مازالت قسنطينة "مدينة سيدي راشد" وتدعى تلمسان –رغم وجود سلطة زمنية بها آنئذ- "مدينة سيدي بومدين الغوث"(15)، وفي معسكر كانت "الطريقة القادرية" التي أسسها سلف الأمير عبد القادر هي التي تمثل تلك السلطة، وفي أحواض شلَف وتنَس كان يمثلها آل أبَهْلَول المجاجي(17)، وفي عنابة كانت المشيخة في عائلة "ساسي البوني" وفي غيرها من المدن والجبال والسهول كان غيرهم من الرموز الروحيين، الذين مازالت آثارهم المتمثلة في الأضرحة والقبب تدل عليهم، وتدل على ما كان لهم من سلطة روحانية على الأهالي.

وإلى جانب تلك الرموز الروحية، كانت قائمة بعض الإمارات الضيقة، والمستقلة بعضها عن بعض، فضلاً عن سلطة الزيانيين بتلمسان(18) إلا أن الوجود العثماني الفعلي والرسمي بالجزائر منذ بداية القرن العاشر الهجري عمل على تذويبها، وجمع شمل كثير من القبائل والإمارات المتنافرة لتوحيدها تحت سلطته، كما عمل العثمانيون على إعادة رسم خريطة جديدة لأقطار المغرب العربي، بقيت –مع بعض التعديلات الطفيفة- منذ ذلك التاريخ إلى الآن، ومنذ ذلك التاريخ أيضاً أصبحت الجزائر تابعة للخلافة العثمانية مثلها في ذلك مثل مجمل الأقطار العربية، بخلاف المغرب الأقصى الذي ظل مستقلاً عن العثمانيين(19).

ولكي نعرف دور الصوفية السياسي وموقفهم من الوجود العثماني كسلطة بديلة، لابد من الإشارة إلى أن الحركة الصوفية بالجزائر كانت قد انتشرت بكامل القطر قبل مجيء العثمانيين(20)، وإذا كان الحس "الوطني" كما نفهمه اليوم يكاد يكون منعدماً عند الخاصة بله العامة، فإن "الحس الروحي" المشوب بالتصوف هو الذي كان يجمع شتات القبائل والإمارات تحت مظلته، وبه كانوا يشعرون أن مصيرهم واحد إزاء الغزو الصليبي لهم، فرغم تفرقهم وتناحرهم أحياناً، من أجل توسيع نفوذهم واكتسابهم لمزيد من الإقطاعات، إلا أنهم سرعان ما توحدهم كلمة "الجهاد" في سبيل الذود عن حرمة الإسلام وحماه، وأن الصوفية في الغالب هم الذين كانوا يغذون تلك الوطنية الدينية" أو ما يمكن أن نطلق عليه "سلطة الصوفية".

ففي تلمسان مثلاً عاصمة الغرب الجزائري الثقافية، كان يغذي تلك السلطة الروحية كثيرون من أشهرهم عائلة ابن مرزوق، وتلاميذها(21)، وكان "قطب زمانه" الشيخ أحمد بن يوسف الراشدي الدار والنسب، دفين مليانة، المتوفى سنة 927ه(22) يروج للطريقة الشاذلية –التي كان يرتدي خرقتها –في كامل القطر بعامة، وفي الجهة الغربية منه بخاصة(23) وقد اشتهر "بالقطبانية" و"الولاية" في عهده، وذاع صيته في الناس، ونزل إلى العامة يستميلهم إليه، فلقنهم "الذكر"، فتبعه خلق كبير، حتى النساء، وقيل له في ذلك: "أهنت الحكمة في تلقينك الأسماء للعامة حتى النساء، فقال: قد دعونا الخلق إلى الله فأبوا: فقنعنا منهم بأن نشغل جارحة من جوارحهم بالذكر"(24).

وكان من نتيجة نشاط الشيخ ابن يوسف، أن انتشرت الطريقة الشاذلية في كامل القطر الجزائري، فضلاً عن انتشارها في المغرب والمشرق قبله بواسطة مؤسسها أبو الحسن الشاذلي، وأتباعه، ونذكر من أتباع ابن يوسف الملياني في الجنوب الغربي من الجزائر: الشيخ ابن سليمان، المعروف باسم: سيد الشيخ، صاحب "الياقوتة"، وتأسست في هذه الجهة زوايا كثيرة من أهمها الشاذلية، وقد لعبت هذه الطريقة، ممثلة في شخص ابن يوسف الملياني دوراً ريادياً في إعلاء "سلطة الصوفية". ولخطرها، فقد اتصل العثمانيون بممثلها، واستمالوه لجهتهم، فما كان منه إلا أن بارك وجودهم، وتحالف معهم على محاربة العدو المشترك: الإسبان من جهة، وسلطة الزيانيين بتلمسان المتحالفة مع الإسبان على العثمانيين من جهة أخرى(26).

وأما في قسنطينة التي كانت تابعة للسلطة الحفصية بتونس، قبل الوجود العثماني بالجزائر، كان أمر "السلطة الروحية" فيها بيد أكثر من عائلة: أهمها عائلة الباديس، وعائلة آل عبد المؤمن، وعائلة الفكون، وهذه الأخيرة هي التي عمل معها العثمانيون نفس ما عملوه مع ابن يوسف الملياني في الغرب، فقد رحبت بالوجود العثماني، وتحالفت معه، فآل إليها مصير قسنطينة "الروحي"، أما عائلة آل عبد المؤمن التي كان بيدها الحل والربط والتي انتصرت للحفصيين، فكان مآلها الخسران مع العثمانيين(27) وفي الجزائر سبقت الإشارة إلى أن صوفية الثعالبة تحالفوا مع العثمانيين، وعقدوا مع بابا عروج العثماني، معاهدة لصد الإسبان الذين كانوا متمركزين بصخرة "بنيون" على مقربة من شاطئ المدينة)(28)... وقد خان سالم التومي –الذي كان يمثل السلطة الزمنية- المعاهدة، فخنقه الترك، ولكن ثقتهم في رجال الدين بعامة، والصوفية بخاصة، بقيت على حالها ثابتة، فقد عيَّن العثمانيون أبا عبد الله محمد بن علي الخروبي سفيراً لهم مرتين على الأقل، يمثلهم لدى سلاطين المغرب الأقصى، وكان الخروبي من رجال الدين والتصوف، وهو من تلاميذ أحمد زروق، قدم إلى الجزائر من طرابلس، فاستوطنها وتوفي بها سنة 961 هجرية(29).

وأما في عنابة، فقد قصد العثمانيون عائلة ساسي البوني، التي كانت تمثل السلطة الروحية هناك، فلم تخيب العائلة قصدهم، بل توطدت بينهم علاقة حميمة على مر الزمان، وتتجلى هذه العلاقة من خلال الرسائل (30) المتبادلة بين محمد ساسي البوني، ويوسف باشا (الجزائر) من جهة، وبين أحمد بن قاسم البوني (الحفيد) ومحمد بكداش من جهة أخرى. ويمكن النظر إلى موضوع هذه الرسائل من جوانب ثلاثة:

الأول: يفيد تقرب السلطة العثمانية من الصوفية، وإضفاء هالة من التقديس الأعمى عليهم، وإيمانها العميق بهم كأولياء الله الروحيين في الأرض.

والثاني: يتمثل في ما يمكن أن نسميه "سلطة الصوفية" على كل من الحكام والرعية، لخضوع الكل لمشورتهم عند العزم.

والجانب الثالث الذي يمكن أن نستشفه منها، هو تعميق وترسيخ "التفكير الغيبي" في مقابل تعطيل التفكير العقلي، وتهميش ممثليه الذين تشتم منهم رائحة الإصلاح.

وفي داخل الوطن اقتفى كثير من مشايخ الصوفية أثر من سبق في تحالفهم مع العثمانيين، فأتباع الملياني وتلاميذه اقتفوا في أغلبهم صنيع شيخهم، نذكر منهم محمداً بن شاعة الذي أعفاه العثمانيون من الضرائب لموقفه الإيجابي منهم(31)، ومن غير المستبعد أن يكون تلميذ الملياني: محمد بن عبد الجبار الفيجيجي المتوفى سنة 950 هجرية قد تعاون مع العثمانيين اقتداءً بشيخه، فقد كانت له زاوية بمنطقة تاسالة، جعلها وقفاً على المريدين الذاكرين(32).

وفي ضواحي شلَف كان يرابط الشيخ ابن المغوفل، وهو من صلحائها الروحيين، وكان له في قومه نفوذ، لذلك كان أول من قصده العثمانيون في هذه الجهة، وطلبوا إليه مبايعتهم، ومناصرتهم على الزيانيين، ومباركة حملتهم عليهم، فكان لهم منه ما أرادوا، وجهَّز لهم حملة وبعث معهم ولديه بعد أن اعتذر الشيخ عن الذهاب معهم(33).

وفي مجاجة قرب مدينة تنَس، كانت ترابط عائلة أبهلول المجاجي، وقد أسست هذه العائلة زاوية بمجاجة، وكان من بين أهداف مؤسسيها: الجهاد في سبيل حماية الإسلام والأرض الإسلامية من الغزو الصليبي. وقد تعاونت هذه العائلة –لذلك- مع العثمانيين، وكان من أشهر رجالاتها لهذه الفترة، الشيخ محمد بن علي آبهلول المجاجي(34)، وقد ظلت هذه الزاوية تؤدي دورها في الجهاد في العهد العثماني، ولم ينقطع هذا الدور بذهاب العثمانيين، إذ برز أحفاد الشيخ كمجاهدين مع الأمير عبد القادر الجزائري، الذي تصدى للغزو الفرنسي(35).

ولقد تعمدت سوق هذه الطوائف من المتصوفة والطرق الصوفية التي سطع نجمها، وتزامن مع الوجود الفعلي للعثمانيين بالجزائر لسببين:

الأول منهما، هو أن الحركة الصوفية بهذه البلاد كانت موجودة وشائعة قبل الوجود العثماني في الجزائر، فليس العثمانيون هم الذين أوجدوها، أو جلبوها معهم، كما قد يتبادر إلى كثير من الأذهان، بسبب أن فترتهم هي التي ذاع فيها التصوف والطرق الصوفية أكثر من أي وقت آخر، فلم يكن العثمانيون في حقيقة الأمر إزاء انتشار ظاهرة التصوف بشكل يبعث على الدهشة والتساؤل، إلا كمصن يصب الوقود على النار(36).

وأما الثاني منهما، فهو أن الشعور "بالوحدة الوطنية"(37) سياسياً كان منعدماً، بمعنى أن حلقات السلطة الزمنية التي كانت تمثلها الدولة الزيانية بتلمسان كانت مفككة، ولم تكن شيئاً مذكوراً في الواقع، وإن كانت نظرياً تقوم ببعض ذلك، كما سبقت الإشارة. والذي كان يقوم مقام تلك الوحدة هو "الدين" بعامة، و"التصوف" بخاصة، أو ما يمكن أن نسميه "بالسلطة الصوفية"، التي كانت تغذي تلك الروح عن طريق "سلاسلها" و "طرقها" الصوفية"، التي كانت بمثابة الأحزاب في وقتنا المعاصر، تشعر الأتباع، والناس عموماً بالمصير المشترك كلما داهمهم خطر المد الصليبي، حتى إذا جاء العثمانيون ألفينا الصوفية هم الذين سارعوا في بادئ الأمر بحكم "سلطتهم الروحية" على الأهالي إلى مبايعة العثمانيين، والتعاون معهم، ومباركة حركتهم الجهادية، في حين أن ممثلي السلطة الزمنية مثل (الزيانيين) وبعض الأمراء مثل سالم التومي، وغيره قد تنكروا للوجود العثماني وحاربوه، بل تحالف بعضهم مع العدو (الإسبان) على أن يذعن للسلطة العثمانية(38).

ولقد شجع العثمانيون رجال التصوف، وأهل الطرق الصوفية، وذلك بانحيازهم في بادئ الأمر إلى رجال الدين والتصوف –كما أسلفنا القول- وفيما بعد شاركوا مشاركة فعلية في بناء القبب والأضرحة والمزارات، وفي "دار السجل" الوطني عدد كبير من الوثائق التي تدل على تلك المشاركة السخية. وقد تولت (المجلة الأفريقية) بنشر بعضها، ويصادف المتصفح لها كثيراً من العبارات مثل "أما بعد فهذا ضريح الوليّ الصالح الزاهد الورع (كذا) سيدي عبد الله بن منصور أدركنا الله برضاه آمين(39).

ويجد القارئ أيضاً عبارات أو نصوصاً كثيرة تدل على مشاركتهم في تشييد القبب مثل: "أمر بتشديد هذه القبة المباركة مع التابوت أمير المسلمين السيد مصطفى باي أيده (كذا) الله، ونفعه بذلك سنة ثمانية عشر بعد المائتين وألف"(40). ومثل: "أما بعد أمر ببناء هذا المقام السعيد، أمير المسلمين..." إلى آخر النص الذي يوضح أن صاحبه أمر بذلك ويقصد من وراء عمله "وجه الله، ورجاء ثوابه"(41).

كما ساعدوا "الصالحين" ببناء الزوايا والرباطات، وأنفقوا في سبيل ذلك أموالاً سخية، فرتبوا لبعضها أوقافاً خاصة(42) وأعفوا المقربين منهم من الضرائب(43) ومنحوهم حرمة وحصانة، فالمستنجد بحماهم لا يلحقه أذى ما دام في حمى "الشيخ" ولو كان المستجير مجرماً!

وبذلك وجد التصوف المجال خصباً للنماء والانتشار والشيوع بين العامة والخاصة، وتطعم بالمعتقدات الشعبية المحلية فانتشرت –لذلك بجانبه الخرافة والإيمان بالشعوذة، وعمت الطرقية، فلا نكاد نجد علَماً من الأعلام المشهورين بعلم الظاهر أو الباطن غير منتسب لطريقة معينة أو لشيخ معين، وكيف لا، وحكمة أبي يزيد البسطامي القائلة: "من لا شيخ له فشيخه الشيطان"(44). كانت رائجة على كل لسان، لذلك كان الناس يفخرون بانتسابهم إلى هذه الطريقة أو تلك، وإلى هذا الشيخ أو ذاك، وكثيراً ما نجد في تراجم الأعلام لهذه الفترة عبارة مثل: فلان "أخذ" عن الشيخ الفلاني "علم الظاهر" أو "علم الباطن" أو هما معاً، وأما العامة من الناس، وبخاصة منهم النساء، فيكتفون غالباً بالاعتقاد الراسخ في "الشيخ" أو "الضريح" القريب منهم، ويلجأون إليه كلما أصابهم ضرّ أو ألمَّت بهم مصيبة(45). وما تزال آثار هذه الاعتقادات سارية إلى اليوم في بعض الأوساط الشعبية، وأحياناً في أوساط المتعلمين (وحتى المثقفين منهم).

ولقد أعطى ذلك التجاوب بين الصوفية والسلطة العثمانية، نتاجاً ثقافياً غزيراً، مشوباً في أغلبه بالتصوف، والتفكير الباطني، المعتمد على المجاهدة وتصفية النفس بالترك والزهد والتخلي للتحلي، وقلَّما نجد نتاجاً ثقافياً يعود إلى هذه الفترة قد نجا من "حمّى" التصوف، ذلك لأن أغلب الشيوخ المتصدين للإفتاء والتدريس كانوا يجمعون بين علمي الظاهر والباطن، كما أن المؤسسة التعليمية المفضلة كانت غالباً هي "الزاوية" وكانت المواد المدرسة في أغلبها دينية مشبعة بروح صوفية، وكان التصوف من بين المواد المدرسة من خلال بعض الكتب المشهورة: كالرسالة القشيرية، وحِكَم ابن عطاء الله، وإحياء علوم الدين للغزالي، وقوت القلوب لأبي طالب المكي، وغيرها من أمهات الكتب والتراجم.

وكانت "الزاوية" إلى جانب قيامها بالتعليم، تقوم بوظائف أخرى مكملة لغرس بذرة "الفكر الباطني" في الطالب أو المريد، والذي يغرس هو عادة "شيخ الزاوية" أو "مقدمها"(46)، ففيها يتم أخذ "العهد" أو الطريقة، وتعتبر الزاوية، والشيخ، والمريد، والطريقة، من أهم الأسس التي تعدُّ الفرد في المجتمع الجزائري إبّان العهد العثماني إعداداً "باطنياً" وتجعله قابلاً لتلقي "المعرفة الوهبية" إذا "فتح" الله عليه، وفي الوقت نفسه يتقلص تلقائياً بناء العقل فيه، ويصبح دوره مقتصراً على الحفظ والتخزين والاعتقاد بلا انتقاد، ما دام أن "العلم" الذي ينشده ليس من قبيل العلم الذي يتم إدراكه بالعقل، فالعقل في نظر مجمل الصوفية يولد وهو يحمل معه عاهة قصوره، يقول الكلا بادي(47) "العقل محدث والمحدث لا يمثل إلا نفسه".

وإن كنا لا نستطيع إحصاء كل الزوايا التي كانت تقوم بتلك المهمة فإننا نحاول أن نذكر هنا أشهرها مع الإشارة إلى أهم الطرق الصوفية، ولا غرو أن أشهر طريقة من حيث الذيوع والانتشار، كانت الطريقة القادرية –الشاذلية، كما سلف القول، ليس في الجزائر فحسب بل وفي العالم الإسلامي قاطبة(48).

وحسب بعض الروايات(49) فإن الطريقة القادرية التي تنتسب إلى الشيخ عبد القادر الجيلاني المتوفى سنة 561ه(50) قد انتقلت إلى الجزائر بخاصة والمغرب بعامة عن طريق الشيخ أبي مدين التلمساني سنة 594 هجرية بتلمسان، وتقول نفس الروايات: إن أبا مدين التقى بالجيلاني في موسم من مواسم الحج، وفي الحرم المكي كان اللقاء، وأنه لمَّا عاد إلى وطنه أشاع الطريقة القادرية ونشرها في المغرب عموماً عن طريق مريديه وأتباعه، وعن طريق هؤلاء انتشرت في كامل بلاد المغرب. والمشرق، وانتشرت معها وبها الزوايا والمشيخات.

وكان من تلاميذ أبي مدين عبد السلام بن مشيش، وكان هذا أستاذاً ومربياً لأبي الحسن الشاذلي مؤسس الطريقة الشاذلية(51) والذي كان قد ولد سنة 593ه بإحدى قرى المغرب الأقصى بسنة واحدة قبل موت أبي مدين التلمساني، وقد استقر أبو الحسن بمنطقة "شَاذلَة" بتونس، فننسب إليها، وظل يتردد بينها وبين الإسكندرية والقاهرة كلما طرأ طارئ، وقد وسعت حركته وتنقلاته هذه، معارفه وتلاميذه، وكثر بذلك المنتسبون إلى طريقته الشاذلية التي هي فرع من القادرية، وقد توفي أبو الحسن الشاذلي سنة (656 هجرية)(52)؛ ونريد أن نصل من كل ذلك إلى أن أغلب الطرق في الجزائر "قادرية" الأصل، رغم أنها تسمى "بالشاذلية" أو "باليوسفية" أو غيرها من الأسماء.

وقد يتساءل سائل عن سبب تسمية هذه الطرق بأسماء أصحابها من المشايخ دون الانتساب إلى الأصل أي "القادرية"؟ وأرى أن مرجع ذلك يعود إلى أحد مبادئ الطريقة القادرية التي كان يبثها عبد القادر الجيلاني في مريديه وهو "الانفصال"(53) بمعنى أن المريد بمجرد أن يصل إلى مستوى المشيخة، ويجيزه الشيخ الذي أخذ عنه، فهو في حل من أمره، بل من المستحب والواجب عليه أن (ينفصل) عن شيخه ويصبح في عداد الشيوخ الذين يعتمدون على أنفسهم في اجتهاداتهم وسلوكهم، ويمكن لهم عندئذ أن يؤسسوا زواياهم، وأن يدعوا إلى طرقهم التي تسمى غالباً بأسمائهم، كما هي الحال مع أبي الحسن الشاذلي الذي تنسب إليه معظم الطرق الصوفية الموجودة بالجزائر إبّان العهد العثماني، ولكن معظم تلك الزوايا، تسمى بأسماء أصحابها أيضاً مثل (الزاوية البكرية التي أسسها الشيخ البكري بمنطقة تمنطيط، وكان قادرياً –شاذلي المذهب، وتوفي 1133ه)(54) وقد سبقت الإشارة إلى أن سيد الشيخ الياقوتة، وكان قادرياً –شاذلي المذهب، كما أن عبد الكريم الفكون، وأحمد بن عمار، كانا مثله على الطريقة الشاذلية.

أما في الشرق الجزائري فقد اشتهرت في كل من الجزائر، وقسنطينة –الطريقة الرحمانية، التي أسسها عبد الرحمن الأزهري) (مجاورة) وتأسست بها عدة زوايا من أهمها زاوية باش تارزي بقسنطينة التي أسسها عبد الرحمن باش تارزي، والزاوية "العزوزية" بضواحي بسكرة التي أسسها تلميذها ابن عزوز البرجي المتوفى سنة 1233هجرية، وقد امتدت فروع هذه الزاوية إلى تونس وطرابلس، عن طريق أبناء ابن عزوز البرجي.

وكانت الطريقة التجانية التي أسسها أحمد التجاني المتوفى سنة 1230 هجرية من أهم الطرق التي شدّت انتباه الناس إليها، لأنها كانت من بين الزوايا أو الطرق التي ثارت في وجه الوجود العثماني. ولها عدة فروع في المغرب الأقصى والسينغال وغيرها من الدول الأفريقية، وفي منطقة القبائل نذكر الحسين الورثلاني المتوفى سنة 1193هجرية(55) الذي ورث الطريقة والزاوية عن جدوده إذ كانت لهم ببني ورثلان زاوية عامرة بالطلبة والمريدين.

وإن كنا نفتقد الآن إلى إحصائيات رسمية لكل الزوايا ومذاهبها في الجزائر فإن ذلك لا ينفي أن عددها كان كبيراً مع نهاية العهد العثماني، ونذكر على سبيل المثال أن مدينة قسنطينة وحدها كان بها زهاء ست عشرة زاوية(56) ومدينة تلمسان كان بها ما يزيد عن ثلاثين زاوية(56)، وأما بمنطقة القبائل وبجاية فقد كانت من أكثر جهات البلاد كثافة من حيث عدد الزوايا إذ بلغ عددها نحو الخمسين(56)، هذا في شمال البلاد، أما جنوبها فلم تكن تخلو عشيرة منها، بل لقد كانت الزاوية ترحل أحياناً مع الراحلين كما هو بالقياس إلى زاوية سيد الشيخ، الذي اضطرته الخلافات المذهبية إلى التنقل بزاويته.

وفضلاً عما كانت تقوم به الزاوية من وظائف متعددة تحدثنا عن بعضها فإنها كانت كذلك مخازن للكتب، ومن أشهرها مكتبة زاوية الفيجيجي التي وصفها ابن عبد السلام الناصري، وأشار إلى اعتناء آل الفيجيجي بها، ومباهاة غيرهم بما فيها من نفائس الكتب(57)، وكانت زاوية سيدي الهواري بوهران التي آلت إلى تلميذه إبراهيم التازي، تحتوي على مكتبة ضخمة(58). ومما لاشك فيه أن الاستعمار الإسباني قد انتهبها، وأكمل انتهابها الاستعمار الفرنسي بعده. وقد ذكر الكفيف في رسالته إلى الثعالبي(59) عنايته بمكتبته وتدبير أمر تهريبها خارج المنطقة الحضرية خوفاً عليها من الانتهاب لأن شواطئ بجاية كانت بدورها عرضة لهجمات الإسبان آنئذ. وكانت لعائلة الفكون مكتبة ضخمة وغنية بنفائس المخطوطات وكان اعتماد الفكون (الحفيد) في ثقافته الدينية والصوفية والأدبية عليها كبيراً وكانت مكتبة الفكون من ضمن المكتبات التي مسها الإحصاء أثناء الحملة الفرنسية على الجزائر(60) كما كانت مكتبة عبد الرحمن باش تارزي من أشهر المكتبات بقسنطينة إذ ذكر تقرير الإحصاء الفرنسي بها ما يزيد عن خمسمائة مخطوط جلَّها في الفقه والدين(61) وحسب هذا التقرير، فلا تكاد تخلو زاوية أو مسجد من مكتبة.

ولقد ساعدت هذه المكتبات على نشر الثقافة الدينية في أوساط المريدين المترددين على مشائخها، ويذكر أحد التقارير(62) أن المستوى الثقافي للجزائريين في نهاية العهد العثماني كان أفضل بكثير من مستوى الجنود الفرنسيين الذين كانوا في الجزائر أثناء حملتهم على العثمانيين بها، إذ شهد شاهد من قواد الجيش الاستعماري يومئذ أن الأمية بين جنوده بلغت (45%)، وبالمقابل كان عدد القادرين على القراءة والكتابة من الجزائريين يفوق بنسبة (55%)، ولكن بعد أكثر من قرن من الاحتلال الفرنسي يقول تقرير آخر(63): أن الأمية وصلت بين الجزائريين ما بين (70-75%) مما يدل على سياسة التجهيل التي انتهجتها فرنسا في الجزائر.

لكن إذا كانت هذه الإحصاءات تبين بعض جوانبها ارتفاع نسبة المتعلمين في العهد العثماني، فإنها لم تكشف بذلك عن درجة وعي هؤلاء المتعلمين. لقد كان جلَّ المتصوفة –الذين ندرس أثرهم- متعلمين، بل ومؤلفين، ولا أريد أن أشير هنا إلى جلَّ مؤلفاتهم(64)، ولكن أريد أن أشير إلى أنها كانت أغلبها في الدين والتصوف، وإلى أنها كانت حصيلة للفكر الباطني السائد الذي غذته المؤسسة التعليمية التي كانت غالباً "زاوية" أو مذهبها القائم على أساس "اعتقد ولا تنتقد"، كما كان قائماً أيضاً على أساس "العلم الوهبي" المنافي للتحصيل القائم على العقل. ودوافع التأليف غالباً ما كانت قائمة على أساس غيبي، أو خدمة للطريقة أو حباً لأولياء الله، ورجاء كراماتهم ورضاهم.

ولنا أن نتخذ لذلك كتاب "البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان "لابن مريم" نموذجاً لمجموعة كبيرة من المؤلفات مشابهة له مضموناً، لندرك أن الأساس الذي قام عليه تأليف كتابه –وهو في التراجم- لا يخرج عما ذكرنا آنفاً، وفي معناه يقول في المقدمة "أنه إذا كان مجرد حب الأوليات ولاية، وثبت أن المرء مع من أحب، فكيف بمن زاد على مجرد المحبة بموالاة أولياء الله تعالى وعلمائه. وخدمتهم ظاهراً وباطناً بتسطير أحوالهم، ونشر محاسنهم، في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم. نشراً يبقى على مرّ الزمان. ويزرع المودة لهم، والحب في صدور المؤمنين للاقتداء بهم بحسب الإمكان(65).

وإذا كان منطلق ابن مريم في تأليفه "لبستانه" منطلقاً باطنياً يخضع لروح العصر كما هو واضح من بعض مقدمة الكتاب، وكذلك متنه، فإننا نأتي –بالمقابل- بنموذج آخر، مناقض له، يزعم فيه مؤلفه الشيخ عبد الكريم الفكون(66) أنه سيشهر سيف العقل على كل الباطنية والدجاجلة بوجه خاص. وقد قسم الفكون كتابه إلى مقدمة، وثلاثة فصول وخاتمة، وبين في المقدمة أن الذي حمله على وضع هذا الكتاب هو ما كان يراه من انقلاب الأوضاع أمام عينيه: فالجهلة أصبحوا أدعياء للعلم، والعلماء أصبحوا في موضع الخساسة، وأهل الطريقة الحقة علاهم أهل الزندقة والبدع، وبعد ذلك يقول "كل ذلك والقلب مني يتقطع غيرة على حزب الله العلماء أن ينتسب جماعة الجهلة المعاندين الضالين المضللين لهم، أن يذكروا في معرضهم، وغيرة على جانب السادة الأولياء الصوفية أن تكون أراذل العامة، وأنذال الحمقى المغرورين أن يتسموا بأسمائهم"(67).

لكننا عندما نقرأ هذا الكتاب، نجد سيف العقل الذي سلَّه الفكون حاداً في المقدمة. مغلولاً في الفصول، وأن هذا السيف بدوره لم يتحرر من روح العصر الصوفي الذي كان مسيطراً على الثقافة العامة، وحتى لا نظلم الشيخ نعرض بعض ما جاء في الفصل الأول الذي خصه "لمن لقيه من العلماء والصلحاء المقتدى بهم، ومن لم يلقهم ممن توفوا، ونقلت إليه أحوالهم وصفاتهم يعرف بهم ويذكر مناقبهم" وقد جعل على رأس هذه الطائفة عمر الوزان (ت695ه) وهو من أعيان قسنطينة الذين عاصروا الفكون (الجد)، وقد وصفه الفكون (الحفيد) أي صاحب الكتاب، بعدة أوصاف منها قوله: "شيخ الزمان" ومنها "العالم العارف بالله الرباني" ومنها "وله في طريق القوم اليد الطولى" ومنها "ويقال أنه دعوة الشيخ الصالح القطب الغوث أبي العباس أحمد زروق" ومنها "ومن كراماته رضي الله عنه..." ثم يذكر عدداً منها(68) وللعلم فهو لا ينكر كل ذلك بل يشيد به.

وإذا واصلنا فحص كتاب الفكون محاولة منا لمعرفة المقياس الذي يحكم به ما صح عنده من التصوف، وما هو من قبيل البدع، نجده يتناقض أحياناً مع نفسه فما نسبه إلى الطائفة التي جعلها في فصل المغضوب عليهم(69) نجد له نظيره أو أكثر منه بدعة أحياناً مما نسبه إلى الطائفة التي جعلها في فصل الذين رضي الله عنهم(70)، فينكر ذلك عمن سبق، ولا ينكره عمن لحق، بل كان يميل إلى الاعتقاد به أكثر مما كان ينفر منه، فهو القائل: "وكرامات الأولياء مما يجب الإيمان بها، ورؤية الملائكة جائزة"(71) وكان ذلك تعليقاً منه على حكاية سمعها عن فقيه، قيل له: أنه رأى "جبريل وميكائيل وبين يديهما ثلاثة أباعر"، ولكنه بالمقابل يعيب على الشيخ محمد ساسي البوني أنه صار في "بلد بونة" أي عنابة "رئيس الباطن والظاهر" ويعتقد الناس في البلد ونواحيها أنه "وارث شيخه وخليفته"(72) ثم ينكر عليه أنه "ادعى مقام الأكابر من الأولياء" ثم يذكر أنه كان شاعراً، وينكر عليه أنه قد ملأ شعره بعبارات "الحانِ والدنانِ" و "يزعم أنه شرب من كأس الصفوة" وأنه "جلس على بساط القرب" وأنه "عرج به إلى السماء وكشف له عن أحوال الملكوت"(73) وكل هذه وغيرها مما يتهم به الفكون، الشيخ البوني، ويعتبر ذلك من البدع! وهو كما نرى من "شطحات" الصوفية.

وعندما حاول أن يضع مقياساً لتصديق مثل هذه الرؤى، وخوارق الكرامات والشطحات الصوفية، مرة، وإنكارها هي نفسها مرات أخرى نجد ذلك المقياس يتلخص في: أن لا إنكار على من يأتي بها أو يرويها عن نفسه وغيره، إذا "كان بالمثابة المثلى من طريق أتباع السنة والمعرفة بالله والحق أبلج والباطل لجلج"(74).

ومما يلاحظ على شيخنا الفكون –رحمه الله- أن ذلك المقياس- إن جاز تسميته كذلك- كان كثير التلجلج والاضطراب في يده، ويبدو أنه كان يعيش نوعاً من القلق والاضطراب بين عقله وقلبه، فرغم أننا ألفيناه في (المقدمة) عازماً على تنصيب (العقل) ميزاناً للحكم على الأمور الغيبية بعامة والتصوف منها بخاصة، لإسقاط سلطة العقل الباطن من عرشه، إلا أن الشيخ –وكما يبدو لي- قد أخفق في ذلك إخفاقاً كبيراً، وانتصر عليه "قلبه" انتصاراً خطيراً، لأنه لانَ أمامه واستسلم له، ولم ينكر ما ينسب إلى التصوف من علم لدني، وولاية، وكرامة، وما إلى ذلك من المغيبات، ولكنه أنكر على من يرتدي ذلك مدعياً أو ليس أهلاً له، ومن ثمَّ بات التصوف في نظر الشيخ مثل "الجبَّة" أو "الخرقة" يلبسها أحدهم فتزينه، وهي نفسها يلبسها آخر فتشينه، لا لعيب فيها، بل في من يلبسها.

وهكذا نلاحظ أن لا الفكون ولا غيره استطاع أن ينفلت انفلاتاً كلياً من طوق التصوف الذي كان يحوط العهد العثماني في الجزائر بطوقه، ويطبعه بطابعه. فظهر ذلك جلياً في مؤلفات هذا العهد، مثل مؤلف ابن مريم، ومؤلف الفكون، فضلاً، عن مؤلفات أخرى مثل رحلة الورثلاني(75) ورحلة ابن عمار(76) ورحلة ابن حمادوش(77) ورحلة العياشي(78) وتراجم الحفناوي(79) التي كتبها بعد العهد العثماني، وغيرها، وهي في أغلبها عبارة عن تراجم وأخبار، اعتنت بالحركة الصوفية ممثلة في الشخصيات المترجم لها، فإذا تصفحناها فإننا نجد العبارات الصوفية مثل (العارف بالله) و(الشيخ الرباني) و (صاحب المكاشفات والكرامات) و (من كشف له الغطاء) و (مجاب الدعوة) وغيرها من الأوصاف التي لها علاقة (بالكرامة) و (الولاية) و (القطبانية العظمى) هي العبارات الرائجة أكثر من غيرها.

كما ظهر ذلك في النظم بعامة، ومن أشهر المنظومات التي تعود لهذا العهد منظومة عبد الرحمن الأخضري المتوفى سنة 953 هجرية(80) وقد سماها "القدسية" وأطال نفَسَه فيها فجاءت في حوالي ثلاثمائة بيت، وقد اعتز الفكون بالمنظومة القدسية اعتزازاً كبيراً، وتمثل بها في منشور هدايته كثيراً. لأنه يتفق مع الأخضري. في الحملة على "الدجالة" الذين ينتسبون إلى التصوف لاستلاب الناس أرزاقهم، والأخضري في منظومته، مثل الفكون في منشوره. لم يكن ضد التصوف في حد ذاته- لأنه مثل الفكون صوفي- ولم يكن ضد النعوت الصوفية في حد ذاتها كالولاية والقطبانية وما إليهما، ولكنه كان ضد الأدعياء الذين يخالفون نهج الكتاب والسنّة، وأنه لم يقبل بغيرهما حكماً في الفصل بين الادعاء والصدق أو بين "الإفك والصواب" كما يقول في القدسية(81):

واعلم بأن الوالي الربَّاني *** لتابع السنَّة والقرآنِ

والفرق بين الإفك والصواب *** يعرفُ بالسنَّة والكتابِ

وفي بعض الأحيان نجده يعتمد على أقوال الصوفية المنصفين، لاستنتاج بعض المقاييس التي يمكن له بواسطتها أن يحكم على "صاحب الإفك من صاحب الصواب"، ومعرفة الحقيقة من الادعاء، وفي معنى ذلك يقول(82):

وقال بعض السَّادة الصوفيَّة *** مقالةً جليلةً صفيهْ

إذا رأيت رجلاً يطير *** أو فوق ماء البحر يسيرْ

ولم يقف عند حدود الشَّرع *** فإنه مستدرجٌ وبدعيْ

ويبدو لنا أن الأخضري في قدسيته قد وفق إلى تحديد المنهج الذي يجب أن يقوم عليه التصوف، ويتمثل في الحث على الرجوع إلى الكتاب والسنَّة لأن طريقة أهل السنَّة أو السلف الصالح قائمة على إقامة الشريعة أساساً للوصول أو الترقي في سلَّم الحقيقة، وذلك هو ما يقابل عند الصوفية القيام بالمقامات أساساً للوصول أو الترقي في سلَّم الأحوال المفضية بالسالك إلى الحقيقة. وبذلك يترقى الولي أو السالك على بيّنة وشرعة، لا على الادعاء الباطل(83)، ومن أهم الأبيات التي يغمز بها الدعاة الذين يركبون الدين لابتزاز الناس قوله(84):

كفَاكَ في جميعهم خيانَةْ *** أن قتلوا العبادَ بالديانةْ

وإذا كان الأخضري قد وظَّف "قدسيته" لانتقاد أباطيل العصر، فإن بعضهم الآخر قد وظَّف النظم لنشر الطريقة الصوفية التي يعتنقها، وهم الأغلب الأعم، ومن هذه المنظومات "المنظومة الرحمانية" لعبد الرحمن باش تارزي المتوفى سنة 1222هجرية(85) التي عرف فيها ناظمها بطريقته ومؤسسها، وبيَّن فيها شروط المريد الذين يسلك الطريقة الرحمانية، وتكلم فيها عن آداب السلوك، وعلاقة المريد بالشيخ، وعلاقة الشيخ بمريده، كما بيَّن فضائل الطريقة التي وصل الكثير من السالكين بفضلها إلى الحقيقة، حسب رأيه وتتضمن المنظومة فضلاً عن ذلك سلسلة الطريقة في الشريعة و الحقيقة وقد تولد شرح هذه المنظومة الشيخ مصطفى باش تارزي ابن الناظم بعد وفاة والده وبعد إلحاح كثير من محبي الطريقة كما يقول الشارح(86).

ومنها منظومة ابن عزوز البرجي المنتمي إلى الطريقة الرحمانية ولذلك فمن غير المستبعد أن يكون البرجي قد تأثر بمنظومة أستاذه باش تارزي فألَّف هو منظومة في التصوف خدمة للطريقة ولمريديه، وقد سماها "رسالة المريد في قواطع الطريق وسوالبه وأصوله وأمهاته" وقد اتخذتُ منها نموذجاً لمنظومات هذا العقد، وألحقتها بسفر للتراجم والمختارات الشعرية، لنعرف من خلالها اللون الثقافي السائد الذي كان يروِّج له أغلب أصحاب المنظومات لهذا العهد*.

وظهر ذلك بخاصة في الشعر الصوفي، عندما يجد المتصوف بعض القدرة على صياغة الشعر ونظمه. وتعتبر مجمل القصائد التي وقع عليها اختيارنا صوراً صادقة لما كان يسود العصر العثماني –الذي صنعته الصوفية- من اعتقاد راسخ بالأولياء والصلحاء والأقطاب، وبكراماتهم وخوارقهم، والتوسل بهم ورجاء بركتهم، ورحمتهم، ومنهم عليهم بالفتح عليهم، كما فتح على أوليائهم، والتقرب بهم، وجعلهم "وسطاء" بينهم وبين من ترجى شفاعته، ومن يتَّقى غضبه وعقابه، وترجى رحمته ورضاه ومنَّه.

ولقد لمست عند تعاملي مع شعر هؤلاء، أن أغلب الصوفية كانوا يعتبرون القصيدة المتدينة بعامة، والمتصوفة بخاصة، من أقدس المقدسات التعبيرية، بعد القرآن والحديث، فقد فسحوا لها المجال واسعاً، لتدخل المساجد من أبوابها الواسعة، ولتتوِّج بحضورها محافل المآدب والمناسبات الدينية، وبخاصة منها المدائح النبوية التي ينظر فيها منشئها إلى النبي نظرة روحية خالصة، ولذلك فإن قصائد المدح النبوي هي من أكثر الشعر إنشاداً إنشاءً في هذا العهد، تليها من حيث الكثرة والأهمية، قصائد الاستغاثة والتوسل بالأولياء، ومشائخ الطرق، الأموات منهم والأحياء ثم تأتي بعض الأغراض الأخرى التي لها صلة بالتصوف، كالوقوف على الإطلال، والغزل، والرحلة، هذا فضلاً عن بعض القصائد الأخرى كالأخوانيات والمراثي، ووصف ا لطبيعة، التي لا تخلو في عمومها من النفحات الروحية أو الصوفية.

ولقد بنيت أغلب قصائد المديح النبوي –التي اطلعت عليها- على نظرية "الحقيقة المحمدية" التي يسري سريانها من قصائد السلف إلى قصائد الخلف؛ وقد نقل إلينا ابن عمار في رحلته(87) صوراً عميمة عن الاحتفال بالمولد النبوي في الجزائر إبّان العهد العثماني، ممثلة في بعض الأخبار، وفي بعض المولديات، والمدائح النبوية، التي تحتفل بسريان "النور المحمدي" في الوجود؛ وقد يختلف شكل التعبير عن ذلك من القصيدة إلى الموشح، إلى السمطية، لكن الفكرة تظل واحدة، وهو ما حاولنا دراسته في كتاب من جزئين: أحدهما، دراسة عرفانية، وآخرهما دراسة أسلوبية.

وخلاصة القول في هذا المقال، هو أن الجزائر العثمانية، قد تحولت في آخر المطاف إلى "ورشة" لصناعة طرق "علم الباطن"، وقد طغى ضجيجها، وعمَّ عجيجها أطراف البلاد، وطمس بعض الأصوات التي كانت تحاول –عبثاً- صنع "علم الظاهر". ولا عجب بعد ذلك أن خاطب المحتل الفرنسي أعيان البلاد في منشوره(88) الذي وزعه على الأهالي عشية الاحتلال، بلغة "أهل الباطن" وكان مما جاء في الخطاب "يا أيها أهل الإسلام، إن كلامنا هذا صادر عن الحب الكامل"!

*الحواشي:

(1)انظر: محمد الحفناوي –تعريف الخلف برجال السلف: مؤسسة الرسالة –بيروت-ط2- 1985- ص1-70.

(2)انظر: ديوان الأمير عبد القادر الجزائري (جمع وتحقيق د.زكريا صيام) ديوان م.ج. الجزائر 1988-ص55.

(3)انظر: أ.عبد الرحمن الجيلالي –تاريخ الجزائر العام: دار الثقافة- بيروت 1982-ص3-37.

(4)انظر: المرجع السابق –ص3-403.

(5)أحمد توفيق المدني- حرب الثلاثمائة سنة بين الجزائر وإسبانيا –المؤسسة و.ظ. –الجزائر- ط3-1984. ص96.

(6)د.عبد الرزاق قسوم –عبد الرحمن الثعالبي والتصوف –الشركة و.ن.ت- الجزائر 1978- ص13.

(7)د.أبو القاسم سعد الله- تاريخ الجزائر الثقافي- ص 1- 131.

(8)انظر: د.عبد الرزاق قسوم- عبد الرحمن الثعالبي والتصوف (هامش) ص25.

(9)انظر: وليم سبنسر- الجزائر في عهد رياس البحر- تعريب: د.عبد القادر زبادية- ص31.

(10)حقق الرسالة ونشرها: د.أبو القاسم سعد الله- أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر- ص 1- 208.

(11)مذكرات الحاج أحمد الشريف الزهار- تحقيق: أحمد توفيق المدني- ص85.

(12)ذكر في رسالته التي بين أيدينا الجهات التي وجه إليها رسائله.

(13)انظر: المرحوم توفيق المدني- حرب الثلاثمائة سنة- ص 93- 95.

(14)انظر: نص الرسالة: أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر – ص1- 209 (سبقت الإشارة إليها).

(15)انظر: د.قسوم- عبد الرحمن الثعالبي والتصوف- ص25.

(16)انظر: الشيخ المهدي البوعبدلي- الجزائر في التاريخ- ص 4- 129.

(17)انظر: الجزائر في التاريخ- ص 4 -121.

(18)انظر: حرب الثلاثمائة سنة –ص 93- 95 وتاريخ الجزائر الثقافي- ص 131- 133.

(19)انظر: تاريخ الجزائر الثقافي- ص- 1- 131، وانظر: الجزائر في التاريخ- ص- 4- 126.

(20)انظر تاريخ الجزائر الثقافي- ص- 1- 464.

(21)انظر: رحلة القصادي- هامش 96، وابن مريم، البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان- ص74.

(22)نظر: تعريف الخلف برجال السلف- ص 103- 106.

(23)انظر: ميلاد عيسى- الياقوتة (باللغة الفرنسية) المؤسسة الوطنية للكتاب- الجزائر 1986- ص6.

(24)تعريف الخلف برجال السلف –ص 2- 106.

(25)انظر: الجزائر في التاريخ- ص 4- 181.

(26) انظر تاريخ الجزائر الثقافي- ص- 1- 470.

(27)انظر: محمد بن علي شغيب- أم الحواضر في الماضي والحاضر، تاريخ قسنطينة، مطبعة البعث، قسنطينة، ص 133- 134 (1980).

(28)انظر: الجزائر في عهد رياس البحر- ص31.

(29)انظر: تعريف الخلف برجال السلف: 2/489- 490. انظر تاريخ الجزائر الثقافي- ص، وانظر: الجزائر في التاريخ 4- 138.

(30)حققها ونشرها: د. أبو القاسم سعد الله- مجلة الثقافة (الجزائرية) عدد 51- سنة 1979- ص- 21- 29.

(31)انظر: تاريخ الجزائر الثقافي –ص 1- 741.

(32)انظر: البستان لابن مريم- ص287- 288.

(33) انظر تاريخ الجزائر الثقافي- ص471.

(34)انظر: ترجمته وشعره الصوفي في تعريف الخلف برجال السلف.

(35) انظر تاريخ الجزائر الثقافي- ص-1- 198

(36) انظر: المرجع السابق –ص 1- 464.

(37) بدأت ملامح الشعور بالوطنية تظهر في كتابات بعض الجزائريين أثناء العهد العثماني، قال الورثلاني: "وصلنا إلى مدينة قسنطينة وهي مدينة في وطننا.." الرحلة الورثلانية- ص685.

(38). انظر: عبد القادر المشرفي الجزائر- بهجة الناظر في أخبار الداخلين تحت ولاية الإسبانيين- تحقيق: محمد بن عبد الكريم- دار مكتبة الحياة- بيروت (د.ت) ص 8- 13.

(39) المجلة الأفريقية- عدد 31- السنة السادسة جانفي- 1862- ص16

(40) المرجع السابق- ص16.

(41)المرجع نفسه: 17، والرسالة مؤرخة بسنة 1174ه.

(42) انظر: تاريخ الجزائر الثقافي- ص 1/ 84- 85 وغيرها.

(43)مثل عائلة الفكون بقسنطينة.

(44)د.عامر النجار، الطرق الصوفية في مصر- دار المعارف بمصر- ط 3/1986، ص42.

(45)انظر تاريخ الجزائر الثقافي- ص-1- 183.

(46)المقدم: هو المريد الذي يقدمه الشيخ على غيره من المريدين لينوب عنه في القيام بكل ما يخص شؤون المشيخة أو الزاوية.

(47)التعرف لمذهب أهل التصوف: مكتبة الكليات الأزهرية بالقاهرة –ط2، 1980- ص78.

(48)انظر: سميح عاطف الزين- الصوفية في نظر الإسلام- دار الكتاب اللبناني- ط3، 1985- ص445.

(49)رواية ابن مريم في: البستان في ذكر الأولياء والعلماء بتلمسان- ص110 وما بعدها، ورواية د.عامر النجار: الطرق الصوفية في مصر- دار المعارف بمصر- ط3، 1986- ص115.

(50)انظر: الصوفية في نظر الإسلام- ص544.

(51)انظر: الطرق الصوفية في مصر- ص114.

(52) انظر: الصوفية في نظر الإسلام- ص 546- 548.

(53)انظر: الطرق الصوفية في مصر- ص117

(54)انظر: فرج محمد فرج: إقليم توات خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين- ص112.

(55)انظر: ترجمته في الرحلة الورثلانية.

(56) انظر تاريخ الجزائر الثقافي- ص1/261- 264- 266.

(57)انظر: أبو القاسم بن عبد الجبار الفجيجي- ألفريد في تقييد الشريد وتوطيد الوبيد- تحقيق وتقديم: د.عبد الهادي التازي- مطبعة النجاح الجديدة- الدار البيضاء- المغرب- سنة1983- ص18.

(58) انظر تاريخ الجزائر الثقافي- ص-1- 287.

(59)نص الرسالة في: أبحاث وآراء في تاريخ الجزائر- ص1- 208 (سبقت الإشارة إليها).

(60)انظر: الفكون- منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية: 11، وانظر: تاريخ الجزائر الثقافي ص1- 287.

(61)انظر: المرجع السابق- ص1- 312.

(62)انظر: د.اسماعيل العربي- الدراسات العربية في الجزائر- ص67.

(63)انظر: الدراسات العربية في الجزائر- ص67، وانظر: عبد الملك مرتاض- فنون النثر الأدبي- ص33.

(64)لأن المقام لا يتسع لها هنا.

(65)البستان: تحقيق: د.محمد بن أبي شنب- المطبعة الثعالبية- الجزائر- 1908- ص6.

(66)في مؤلفه: منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية- تحقيق: د.أبو القاسم سعد الله- دار الغرب الإسلامي- بيروت- ط1- 1987.

(67)منشور الهداية: 32.

(68)المصدر السابق- ص35- 37.

(69) الفصل الثالث من المنشور –ص117.

(70) الفصل الأول من المنشور- ص35.

(71) المصدر نفسه- ص147.

(72) يقصد (بشيخة): الشيخ طراد وكان قد تحدث عنه الفكون وعن علاقته مع محمد ساسي البوني ووصفه "بكبير المتلصصة"، منشور الهداية –ص161 وما بعدها.

(73)العبارات التي بين قوسين كلها للفكون: منشور الهداية- ص 164- 165.

(74)المصدر السابق- ص147.

(75)نزهة الأنظار في فضل علم التاريخ والأخبار.

(76)نحلة اللبيب بأخبار الرحلة إلى الحبيب.

(77)حققها ونشرها: د.أبو القاسم سعد الله- المؤسسة الوطنية للفنون المطبعية- الجزائر 1983.

(78)لعبد الله العياشي- طبع حجري- فاس 1316ه (مغربي الأصل، من تلاميذ الفكون).

(79)تعريف الخلف برجال السلف (سبقت الإشارة إليه).

(80)انظر: منشور الهداية- ص118.

(81)المصدر نفسه- ص122، انظر: الجزائر في التاريخ- ص4- 180.

(82)منشور الهداية- ص122.

(83)راجع أبياتاً في ذلك –منشور الهداية- ص124 وغيرها.

(84)المصدر السابق- ص132.

(85)انظر: ترجمته في تعريف الخلف برجال السلف.

(86)مصطفى باش تارزي- المنح الربانية، شرح المنظومة الرحمانية- طبعة تونس 1308ه.

(87)نحلة اللبيب بأخبار الرحلة إلى الحبيب.

(88)انظر: المنشور كاملاً في مذكرات الحاج أحمد الزهار- ص176 (وكان شاهد عيان).
**********منقول للفائدة**************** 
5/ التصوف والصوفية في الجزائر
الشهاب الثقافي

 

بقلم: عبد المنعم القاسمي الحسني
يحتل موضوع التصوف وتحديدا الطرق الصوفية أهمية كبرى في حياتنا الفكرية المعاصرة، وهو من القضايا الشائكة والمعقدة في تاريخنا الثقافي والديني، وأسال الكثير من الحبر ولا يزال، ولا زلنا إلى يوم الناس هذا لم نفصل في هذا الموضوع برأي نهائي، فالكثير من الباحثين ما زال يتردد بين الإعلاء من قيمة هذه الظاهرة الدينية وبين الحط منها، وربما يعود ذلك إلى أنها مرتبطة بميول النفس البشرية وأهوائها، ولم يستطع بعضهم التخلص من ذاتيته والحكم على الأشياء بعيدا عن الأهواء والمنطلقات والخلفيات.

ويؤكد هذا الموقف قول أحد الباحثين: "وقد اختلفت آراء الباحثين في تصوف العصر الحديث؛ فمنهم من وجد فيه ـ في نطاق المغرب العربي خلال الفترة الحديثة المبكرة ـ عنصرا إيجابيا في توجيه الحياة الاجتماعية والعقلية والسياسية وخاصة في الدعوة إلى الجهاد وبث الحماسة في الجماهير التي انقادت لهم ، في حين رأى آخرون فيه كثيراً من ألوان السلبية التي جنتها الطرقية الضحلة على الحياة الاجتماعية والعقلية".
على أننا نلاحظ في الفترات الأخيرة عودة الاتجاه الصوفي بقوة إلى الواجهة، وبدء انهيار تلك الصورة القاتمة التي كانت تقدم لنا حول هذا التيار الفكري الراقي من التيارات التي عرفها العالم الإسلامي طيلة عهود طويلة من الزمن. وذلك بعد سقوط الأنظمة المناوئة لهذا الاتجاه، وفشل الحركات السلفية في قيادة المجتمعات الإسلامية.
وأحسب أن هذه المسألة من أهم القضايا المحورية التي يدور حولها النقاش حاليا في العالم الإسلامي والعالم الغربي، فقد اعتنق الكثير من الغربيين الإسلام عن طريق التصوف الإسلامي، وأصبح التصوف اليوم هو المظهر الرئيس للإسلام بالنسبة لهم، وأن الكثير من الدراسات حول العالم الإسلامي، منصبة حصرا على التيار الصوفي دون غيره، وأكثر المفكرين والفلاسفة مقروئية لدى الغربيين هما ابن عربي وجلال الدين الرومي، وهما من أقطاب التصوف الإسلامي.
يقول المستشرق الفرنسي المسلم "إريك جيوفروي" ـ المختص في الصوفية بجامعة لوكسمبورج، شمال فرنسا ـ في حواره الخاص مع "إسلام أون لاين.نت": "أن المستقبل في العالم الإسلامي سيكون حتما للتيار الصوفي". ويرى أيضا أن الصوفية قد مارسوا السياسة في أحيان كثيرة كما مارسوا أدوارا ثقافية واجتماعية، "ثم إننا يمكن أن نلحظ أن هناك مدا جديدا من الأجيال الجديدة للصوفية يعي الأبعاد الاجتماعية للصوفية".
من خلال هذه المنطلقات والمعطيات أردنا الخوض في هذا الموضوع، وأن نبحث في سبب احتلال هؤلاء الصوفية هذه المكانة الرفيعة، ونرى ماذا قدم التصوف والصوفية للمجتمع المسلم؟ وهل اقتصر دورهم فقط على التحرير الذاتي، وتطهير النفس من الرعونات؟ وهل مكثوا في زواياهم يرددون اسم الله الأعظم غير ملتفتين إلى ما يجري حولهم من تطورات وتغيرات؟ كما يرى بعض الناس.
أم أنهم سعوا إلى تغيير واقعهم والمحيط الذي يعيشون فيه، وخدموا المجتمعات التي وجدوا بها وقادوها إلى بر الأمان. إن الإجابة على مثل هذه التساؤلات يتطلب المجلدات لكنا سنحاول أن نختصر قدر الإمكان، وأن نفي بالغرض ونتقيد بالمساحة.
وسنقصر حديثنا على الجزائر فقط دون غيرها من دول العالم الإسلامي ونأخذها كعينة، فالظاهر أن الأمر لا يختلف في بقية دول العالم الإسلامي.
وعليه فسنتناول في هذه العجالة أربعة نقاط أساسية، يمكن من خلالها الإجابة على التساؤلات السابقة وهي: تاريخ التصوف في الجزائر، نشأة العلاقة بين الصوفية والمجتمع، دور التصوف بشكل عام، وأخيرا الدور الاجتماعي الذي قام به التصوف في الجزائر.
تاريخ التصوف في الجزائر:
ظهر التصوف في العالم الإسلامي كمنحى فكري نظري بداية من القرن الثالث الهجري وذلك في عاصمة الخلافة العباسية بغداد، على أيدي رجال شهد لهم الأعداء قبل الأصدقاء بالعلم والفضل والصلاح، وأرسوا قواعد هذا التيار الحديث النشأة، ورسموا له الأسس المنهجية التي بني عليها ولا تزال إلى الآن المصادر الأساسية لهذا العلم.
وفي نهاية القرن الثالث الهجري، بدأ الصوفية ينظمون أنفسهم طوائف وطرقا يخضعون فيها لنظم خاصة بكل طريقة، وكان قوام هذه الطرق طائفة من المريدين يلتفون حول شيخ مرشد يسلكهم ويبصرهم على الوجه الذي يحقق لهم كمال العلم وكمال العمل، كما نجد ذلك في بغداد في العصر العباسي الأول عند فرقة " السقطية " نسبة إلى السري السقطي و" الطيفورية " نسبة إلى أبي زيد طيفور، والخرازية نسبة إلى أبي سعيد الخراز والمحاسبية نسبة إلى الحارث المحاسبي...
فانتقل بذلك التصوف وتطور من ظاهرة أو مسألة فردية بين الإنسان وربه إلى ظاهرة اجتماعية طرقية كثر رجالها وأتباعهم كثرة ظاهرة، ومع تطور التصوف العملي وانتشار الظاهرة الصوفية لدى الأوساط الشعبية، حيث كثر عدد الأتباع والمريدين، والتف المريدون حول الشيخ ونسجوا حوله هالة من التقديس والتبجيل، بدأت تظهر الطرق الصوفية بشكلها المتعارف عليه الآن.
وأول ما عرف العالم الإسلامي من الطرق: الطريقة القادرية، والمدينية والرفاعية والشاذلية والخلوتية...


بالنسبة للجزائر أو ما يعرف قديما بالمغرب الأوسط، فقد بدأ التصوف فيه تصوفا نظريا، ثم تحول ابتداء من القرن العاشر الهجري، واتجه إلى الناحية العملية الصرف، وأصبح يطلق عليه "تصوف الزوايا والطرق الصوفية"، وقد ظل هذا التصوف العملي سائدا في جميع أنحاء المغرب الإسلامي حتى بعد سقوط الدويلات الثلاث ودخول الأتراك العثمانيين.

أما بالنسبة للجزائر أو ما يعرف قديما بالمغرب الأوسط، فقد بدأ التصوف فيه تصوفا نظريا، ثم تحول ابتداء من القرن العاشر الهجري، واتجه إلى الناحية العملية الصرف، وأصبح يطلق عليه "تصوف الزوايا والطرق الصوفية"، وقد ظل هذا التصوف العملي سائدا في جميع أنحاء المغرب الإسلامي حتى بعد سقوط الدويلات الثلاث ودخول الأتراك العثمانيين.
وكان من أوائل وأحد أوتاد الطريقة الصوفية في الجزائر: الشيخ أبو مدين شعيب بن الحسن الأندلسي، وقد عرفت طريقته "المدينيـة" شهرة واسعة وأتباعا كثيرين، في مختلف أنحاء المغرب الإسلامي، وازدادت شهرة على يد تلميذه عبد السلام بن مشيش (ت 665هـ= 1228م)، ثم ازدادت نشاطا وأحياها من بعده شيخ الطائفة الشاذلية وتلميذ ابن مشيش:"أبو الحسن الشاذلي". وكان لتعاليم الشاذلي في الجزائر الأثر الأكبر بحيث يكاد يجزم أن معظم الطرق التي ظهرت بعد القرن الثامن تتصل بطريقة أو بأخرى بالطريقة الشاذلية.
ومن أبرز علماء الجزائر الذين شاع التصوف العملي وانتشر بفضلهم عبد الرحمن الثعالبي ومحمد بن يوسف السنوسي، اللذان يعتبران من كبار العلماء والزهاد في القرن التاسع الهجري، فقد جمع كل منهما بين الإنتاج العلمي والسلوك الصوفي، وانتفع بكل منهما خلق كثير وكان لهما تأثير في المعاصرين وفي اللاحقين، وقد كانا كلاهما من أتباع الطريقة الشاذلية، وألفوا كتبا في أصولها وفي تراجم رجالها. على حد تعبير الدكتور أبو القاسم سعد الله.
ونستطيع القول أن التصوف العملي أو الطرق الصوفية أول ما وجدت وجدت في بلاد القبايل بجاية والمناطق المحيطة، وكانت بجاية مركز إشعاع طرقي صوفي لعدة قرون من الزمن. بواسطة رجالات التصوف الكبار من أمثال أبي مدين، أبو زكريا الزواوي، أبو زكريا السطيفي، يحي العيدلي، أحمد زروق... ومن بجاية انتشر التصوف إلى بقية مناطق المغرب الأوسط.
ويمكن أن نرجع عوامل وأسباب انتشار التصوف بالجزائر، إلى أسباب فكرية، أسباب سياسية، أسباب اجتماعية...
1 ـ أسباب فكرية: كوجود أعلام صوفية عملوا على نشر هذه الطريقة بكامل المغرب الإسلامي، أثروا بسلوكهم وبعلمهم وبمؤلفاتهم، من أمثال الشيخ أبي مدين، الملياني والثعالبي... ويضاف إلى ذلك تأثر كثير من علمائنا بالتصوف المشرقي بدأ يسيطر بدوره على الساحة الفكرية بعد محاولة الإمام الغزالي التوفيق بين الشريعة والحقيقة.
2 ـ أسباب سياسية: كسقوط الدولة الموحدية: التي كانت تمثل دولة قوية واجهت الغزو الاسباني، ولأسباب داخلية وخارجية تدهورت أوضاعها، وكسقوط الأندلس: نتيجة التدهور السياسي الذي أصابها عقب سقوط الدولة الأموية ونتج عن سقوط الأندلس أمران: الغزو الإسباني لمعظم سواحل المغرب الإسلامي، الأمر الثاني: هجرة كثير من صوفية الأندلس إلى الأراضي الجزائرية.
3 ـ أسباب اجتماعية: منها انتشار البذخ والترف عند طبقات معينة، نتيجة الثراء الفاحش، وتراجع القيم الدينية والأخلاقية حيث أهمل الخاصة والعامة الكثير من مبادئ الدين وسلوكه القويم، وقد حارب الصوفية هذا الانحراف، وقاوموا بكل السبل والطرق هذه الاختلالات، مما أدى إلى انتشار مذهبهم.
ولا التفات إلى المحاولات الرامية إلى إرجاع انتشار التصوف بهذه البلاد تفسيرات بعيدة عن الحقيقة والمنطق والصواب مثل: ثأر البربر أو ثأر المرأة أو عبادة الأولياء كتواصل لبعض الطقوس البربرية القديمة. كما يذهب إلى ذلك ادموند دوتيه( )، وغولدزيهر، ومن دار في فلكهم.
وقد مر التصوف في الجزائر بمرحلتين أساسيتين هما:
ـ فترة التصوف النخبوي، وذلك خلال القرون السادس والسابع والثامن الهجرية: وهي الفترة التي بقي فيها التصوف يدرس في المدارس الخاصة، واقتصاره على طبقة معينة من المتعلمين، وعدم انتشاره بين الطبقات الشعبية، وبقائه في الحواضر الكبرى: تلمسان، بجاية، وهران...
ـ فترة التصوف الشعبي، أو ما تعرف بفترة الانتقال من التصوف الفكري إلى التصوف الشعبي، وقد وقع ذلك في القرن التاسع الهجري، وفيها انتقل التصوف من الجانب النظري إلى الجانب العملي، وهو الانتشار الكبير للزوايا والرباطات في الريف والمدن، وانضواء الآلاف من الناس تحت لوائه، والتركيز على الذكر والخلوة، وآداب الصحبة وما إليها من مظاهر التصوف الشعبي. وبفتح باب التصوف للعامة وأهل الريف، انتقل من النخبة إلى العامة، من المدينة إلى الريف، وظهرت الطرق الصوفية الكبرى وانتشرت في مختلف أرجاء القطر: كالقادرية، المدينية، الشاذلية...
العلاقة بين الصوفية والمجتمع:
اتخذ التصوف في الجزائر ـ كما في بقية دول العالم الإسلامي ـ منذ بداية ظهوره بها أبعادا اجتماعية، وذلك بسبب الظروف التي كانت تعيشها البلاد في تلك الفترة (ق7، 8، 9هـ) وانساق الناس ورائه لما وجدوا فيه من مساواة وعدل وإحساس بالوجود والأهمية، فقد كان شكلا من أشكال التعبير عن الغضب الشعبي والتمييز الطبقي بين طبقة الأغنياء والمترفين وطبقة الفقراء والمعدمين.


المتصوفة الأوائل كانوا بمثابة النخبة التي تمسكت باستقلاليتها الفكرية والدينية تجاه السلطة الحاكمة، لذلك وقع اضطهادهم من طرف الحكام، وقاومهم العلماء الرسميون، والمشهد نفسه يتكرر تقريبا في كل العصور والعهود، كما وقع مع أبي مدين الغوث أو ابن النحوي، الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري، أحمد التيجاني، محي الدين بن مصطفى الحسني... والقائمة طويلة.

والمتصوفة الأوائل كانوا بمثابة النخبة التي تمسكت باستقلاليتها الفكرية والدينية تجاه السلطة الحاكمة، لذلك وقع اضطهادهم من طرف الحكام، وقاومهم العلماء الرسميون، والمشهد نفسه يتكرر تقريبا في كل العصور والعهود، كما وقع مع أبي مدين الغوث أو ابن النحوي، الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأزهري، أحمد التيجاني، محي الدين بن مصطفى الحسني... والقائمة طويلة.
ووقع الالتقاء بين المتصوفة والشعب، في مواجهة السلطة، تموقعوا في نفس الخندق، فرض عليهم الأمر فرضا، ووجدوا أنفسهم في نفس الجبهة، يقاومون الظلم والتعسف، والتمييز. وهو ربما ما يفسر لنا سر هذه العلاقة بين العامة أو الشعب والمتصوفة، قبل الوصول إلى مبدأ الكرامة وسلطة الأولياء على أفكار العامة وخيالهم.
وسعى الصوفية إلى حل مشاكل المجتمع واتحدا الاثنان في مواجهة السلطة، واتخذا نفس الموقع ونفس الجبهة، فقاموا بمواجهة الظلم والطغيان والفساد، وهو ربما ما يفسر لنا العلاقة بين العامة والصوفية، فاتحاد الهدف نابع من فكر الصوفية وعقيدتهم: العيال عيال الله.
وقد كان الصوفية على مر العصور رمز الوحدة مع المجتمع، والمطالبة علنا بحقوق الشعب ومصالحه، فقد كان الولي الصالح أبو إسحاق الخياط كثير الدخول على يغمراسن لقضاء حاجيات الخلق.
إن هذا التلاقي قد بدأ بشكل عفوي، دون سابق تحضير أو تنظيم أو استعداد، ونتج عنه الكثير من النتائج الهامة لعل من أبرزها، الانتشار السريع للتصوف بين مختلف الطبقات الشعبية، قيادة الشعب بعد انهيار الدولة، واستطاع المتصوفة توظيف هذه العلاقة في الدفاع عن مصالح الشعب، ولم تنقطع هذه الصلة بين المتصوفة والعامة إلى يومنا هذا، بحيث لا نزال نجد تأثيرهم قويا في المجتمعات العربية الإسلامية، بالرغم من هذا التطور الفكري والثقافي، والعولمة ودخول الأفكار الحديثة. وان بنسب متفاوتة بين منطقة وأخرى.
ومن هنا نستطيع أن نفهم: لماذا اختارت الفئات الواسعة من المجتمع الانضمام والانتماء إلى هذا الاتجاه الفكري، في حين كان حكامها يتخذون مذهبا آخرا ويعتنقونه. فكان الصوفي فردا من مجتمع الناس، يأكل ويتاجر ويتزوج كما يفعل الناس، لكنه في نفس الآن كان يمثل قدوة لهم ونموذجا يتطلعون إليه ويعلمون بمتابعة مسيرته بينهم.
حقيقة فيه بعض العناصر الصوفية من لجأ إلى الفلوات والمقابر زاهدا متعبدا متجردا، لكن هذا الكلام لا ينطبق على كل الصوفية بل هي حالات استثنائية خاصة، ثم إنهم يرون أنه عندما تدعو إليهم سيتخلون عن مجاهداتهم الخاصة وينتقلون إلى خدمة الصالح العام، ولعل أبرز مثال على ذلك هو الأمير عبد القادر، الذي لبى داعي الجهاد وتخلى عن عزلته وتدريسه بزاوية والده الشيخ سيدي محي الدين بوادي الحمام بالقرب من معسكر.
**********منقول************** 

6/ ما الذي يدفع الشباب الجزائري 

نحو الطرق الصوفية



نورالهدى غولي - آرام
الاربعاء 30 أبريل 2008

الجزائر - يتذكّر مراد دائماً تلك المرحلة الحرجة في حياته، ويدرك جيّداً أنّه ترك خلفه، وبصورة نهائية، تلك الحال الغريبة التي كانت تنتابه في وقت مضى من تبرم ويأس وإحباط، وذلك قبل أن يهتدي إلى الطريق المستقر الذي هو عليه الآن: الأمان الروحي والراحة النفسية. ويستغرب مراد اليوم كيف أنّه كان فكر في الانتحار يوماً



ما الذي يدفع الشباب الجزائري نحو الطرق الصوفية
بعد أن ترك دراسته نهائياً بعد إخفاقه في شهادة البكالوريا، وجد مراد نفسه ضحية للفراغ والانطواء والخيالات السيئة خصوصاً مع الأوضاع المعيشية المزرية وانعدام فرص العمل حتى لمن يحملون الشهادات العليا! إلى أن جاء اليوم الذي قرر وضع نهاية لتلك الحياة التي أرهقته نفسياً، فرمى بنفسه من مكان مرتفع. لكن تلك السقطة المريعة انتهت بكثير من الرضوض والكسور التي سريعاً ما شفي منها. وخلال مرحلة النقاهة التي قضاها في قرية نائية بعيداً من العاصمة، تعرّف مراد إلى صديق جديد، عرّفه إلى معنى جديد في الحياة، لم يكن استوعبه أو فهمه: التصوّف.

بدأ يفهم معنى الخلوة النفسية، ويقرأ مع جماعة من المريدين ويحفظ عدداً من القصائد وعرف قصصاً وحكايات عن أناس «تخلوا عن شطط الحياة وبهرجها وتكيفوا مع حياة موازية تعني الراحة والهدوء». تغيّر مراد فجأة بدرجة كبيرة وصار «فقيراً» من بين هؤلاء الفقراء المتصوفة. (الفقراء تسمية تطلق على المتصوفة وتعني الفقراء إلى الله).

جمعيات كثيرة صارت تلمّ إليها هؤلاء الشباب، بخاصة الذين تاهت بهم السبل وشردت أفكارهم وأهدافهم الأوضاع الحياتية الصعبة. لكن ليس من السهل على الكثيرين الصبر وسعة الخاطر لفهم مثل تلك المعاني الروحية والأخلاقية، والتي تنادي بها هذه المذاهب التي تتفرع في الجزائر بحسب الزوايا. فهناك مثلاً الزاوية القادرية والرحمانية والكنتية والعلاوية... وهي تفرعات تصب في معنى صوفي واحد متماثل الى حدّ التطابق.

ينخرط بعض الشباب في مثل هذه الجمعيات لكنهم سريعاً ما ينسحبون، حين لا يجدونها تلبي رغباتهم وميولهم. فلا إغراء حسّياً لمثل هذه الجمعيات، وهي لا تمنح أيضاً مقابلاً مادياً مثلما تفعل بعض الجهات الأخرى في أوساط الشباب، ولا تتعامل أيضاً مع فتيات حسناوات كما تفعل هذه الأخيرة لنشر أفكارها. وإن كانت أفكار التصوف عالمية وتتشابه في المنطق المتبع، وتختلف في السبل المؤدية إليها.

لأجل ذلك، ليس من السهل على الذي ليس مهيأ لتقبل مثل هذه الدعوى أن يبقى طويلاً ليستوعب هذه الجزئيات الصغيرة والدقيقة. فيجب أن تكون نفس طالب هذا السبيل كـ «التربة الطرية» التي تتشرب مثل تلك التعاليم والإشارات البسيطة التي توجد الفارق في ما بين حياة عادية مادية وسريعة الوتيرة، وأخرى هادئة.

وليس الأشخاص الفاشلون فقط هم من يلتحقون بمثل هذاه الدعوات، بل هناك شباب ناجحون وأصحاب مسؤوليات ومناصب عليا، يجدون أنفسهم منخرطين في هذه الجمعيات، بقصد البحث عن إجابات للكثير من الأسئلة والاستفسارات التي كانت تعتمل في دواخلهم ولم يجدوا لها ردوداً شافية. وبعيداً من النجاحات المادية التي يحققونها ومن «التهاوش» والمشاحنات الحياتية الدائمة، صاروا يبحثون عمّا من شأنه أن يسحبهم نحو الهدوء.


*********منقول*********

ليست هناك تعليقات: